مستشفى سجن الرملة "مدفن للأحياء"

single

شباب في مقتبل العمر .. اعمارهم لم تبلغ سن الرشد.. ولكن وعيهم وأخلاقهم الحميدة تتجاوز اعمارهم، سرعان ما لمست فيهم روح النخوة والعطاء.. كل واحد منهم، من هؤلاء الفتية كان له حلم – هذا الحلم تحطم امام رصاصات قد اخترقت مواقع عديدة من انحاء جسده الغض، من فوق بندقية حاقد، من احد جنود الاحتلال.. مثل هؤلاء الشبان وغيرهم من كافة قطاعات شعبنا الفلسطيني يلعقون ليل نهار همجية واعتداءات الجنود والمستوطنين.. فبما انهم اصحاب عزة وكرامة، أبت عليهم كرامتهم وشموخهم ان يصمتوا على ما تشاهده عيونهم وبما تحسه اجسادهم الغضّة الطرية من سوط الاحتلال الغاصب، فما كان منهم الا ان هبوا بصدورهم العارية متحدين زخات الرصاص القاتل ممن يدعون ليل نهار بأنهم "احتلال حضاري" او بأن "سلاحهم طاهر"..
فيا للسخرية كيف يتلاعبون امام الحقائق الدامغة يعرفها القاصي والداني، وكم قامت من بينهم حركات وجنود احتجوا على مثل هذه الوحشية، وسرعان ما اتهمتهم الاوساط السياسية "بالخونة" لأنهم كشفوا حقائق تقشعر لها الابدان.. ان اصابات هؤلاء الفتيان والتي جمعتني بهم ظروفي الصحية، هي اما بالأيدي او السيقان او بالكبد او بالظهر مما احدث شلل نصفي، مثلما حدث مع المناضل خالد الشاويش من مخيم الفارغة والاصل من قرية قنبر احدى قرى فلسطين 48 من منطقة حيفا، والتي هدمت وشرد اهلها الى المنافي، وآخر مقطوع الساق، وغير ذلك من الاصابات المشوهة للجسد.. في غرفة يسودها الصمت.. يقطنها عدد من نزلاء مراش، كل واحد له حكاية مع الاصابات في انحاء جسده، كان من حسن حظي ان ارافق مثل هؤلاء الجبابرة من أسرى الحرية، والذين يتعالون على جراحهم وعلى التشوهات في اجسادهم على اثر المواجهات اللا متكافئة مع جيش الاحتلال المدجج بأحدث الاسلحة. الأجواء داخل الغرفة وهذه المشاهد المؤلمة والمحزنة تثير في النفس الكآبة – لقد تعمدت ان اجالس كل واحد فيهم واسمع حكاياتهم، حكايات العزة والشموخ والملامة والغصّة ممن ابقوهم يلعقون مرارة السجن وصلف السجان وألم اصاباتهم.
 كان يسكن بجواري فتى لم يبلغ السابعة عشر ربيعا، وما ان تلتقي عيوننا، فسرعان ما يلاقيني بابتسامة مشرقة ولكن حزينة، مرددًا سؤالا لطالما ردّده عدة مرات في اليوم بقوله دائما: "عمي ابو تحرير – هل يعوزك شيء؟ فكثيرا ما كان يبادر بوضع الطعام امامي او بإحضار الكرسي لكي اجلس بالقرب من التلفزيون. فرغم الاصابات التي اخترقت جسده الغضّ ورغم الآلام التي كانت تجتاح جسده، وذلك باصدار أنات الجراح اثناء الليل.. الا انه كان يتعالى على ذلك مبديًا في كل مرة استعداده ان يعمل أي شيء من اجلي.. فسرعان ما رددت بيني وبين نفسي.. ان كان في شعبنا فتيان مثل احمد جاري فنحن في ألف خير – فكم دخل قلبي هذا الشاب، ففي تلك اللحظات تذكرت ابني باسل وما شعرت الا والدموع تترقرق من مآقي عيوني وخصوصا لأنني لم التقي به منذ عدة اشهر.
بالاضافة الى هذا الفتى، فقد تعرفت على شاب مقعد، محكوم 11 مؤبد - متهم بتصفية 11 مستوطنا - اطلقوا عليه حينها "قناص المستوطنين". ففي معركة غير متكافئة مع جنود الاحتلال لمدة ساعتين، اصيب في ظهره بزخات من الرصاص الحاقدة، وايضا بيده اليمنى ولهذا السبب اصبح مشلول الحركة، وكم تأثرت لحاله. ويرافقه أخ له ثان مع اعاقة في ساقه يتكئ على عكازه، وهو ايضا مصاب على اثر مواجهات مع جيش الاحتلال، وأخ ثالث لهم غير مصاب ولكنه معتقل لعدة سنوات، وعلمت من الشاب المقعد خالد الشاويش بأن نجله البكر قُتيبة ايضا معتقل في سجن الجلبوع ، فهل يوجد اكثر مأساوية من هذه الحالة؟ صرت اتساءل – لماذا مثل هؤلاء الابطال يُتركون على مثل هذه الحالة التراجيدية؟! لماذا يتجاهلهم المفاوضون اثناء أي صفقة من تبادل للأسرى، ولا يصرون على الاحتلال ان يكونوا بالصدارة من امكانية الانعتاق من هذا الجحيم والذي، ويا للسخرية، يُطلق عليه "مستشفى" وانما ما هو الا علب اسمنتية محاصرة بالقضبان والابواب الفولاذية والشبك وبسجانين متعجرفين، حقا، فما هو الا مدفن للأحياء. هل سيصحو ضمير أي من المسؤولين في شعبنا الفلسطيني مع كافة الفصائل لتحرير مثل هؤلاء الصناديد؟


*ابتسامة ورصاصة*


 زنابق فلسطينية دائمة الابتسام رغم الجراح النازفة..
عندما ولدته امه، وككل ام، تضرعت الى الله ان يمنحه الصحة والنجاح، وان يكون له مستقبل يؤمن له حياة كريمة – ولكن الواقع غيّر كل احلام والدته وكل احلامه، لقد ترعرع بين اكناف وازقة بلدته – وشاهد الاحتلال بأم عينيه يمارس البطش والارهاب ضد اهل بلده، بل ضد كل شعبه – عندما اصيب بالرصاصات من جنود حاقدين، لم يبلغ من العمر اكثر من سبعة عشرة ربيعًا.. فعندما شاهد ما يحدث من ظلم، لم يتوان عن امتشاق سيف النضال، والاقدام بخطوات ثابتة، للتصدي لجيش الاحتلال دفاعا عن كرامته وكرامة بلده وشعبه.
 لقد ترك مقعد الدراسة لان روحه الحرة هي التي دفعته للأقدام على المواجهة بصدره العاري ضد جيش من القتلة ومن حثالات المستعربين – اثناء المواجهات التي كان له شرف المشاركة بها، مع بقية الشبان والشابات، اطلق المستعربون النار عليه فأصابوه في رجله وخاصرته، حينها قام القتلة من المستعربين باعتقاله، بعدها زجوه في مدفن الاحياء، بما يُسمى "مستشفى مراش في سجن الرملة". لقد تعرفت عليه وعلى شبان آخرين، كلٌ له حكاية مع الاصابات، وذلك عندما نقلوني حراس سجن الجلبوع من مستشفى العفولة الى "مستشفى" أي "مدفن الاحياء" في مراش من اجل استكمال العلاج.. وبينما كنت اتجول في الصالون الضيق اذ به يطل بوجهه الباسم محييًا اياي ومتكئا على وسيلة خاصة لكي تُعينه على المشي البطيء.. وكانت ابتسامته، رغم نزيف جرحه، تدل على سخريته من الذين اعتدوا عليه. هذه هي الزنابق الفلسطينية، التي تأبى ان تنحني امام وحشية الاحتلال، إن امثاله هم زينة الوطن  وحلمه وأمله.. فبمثل هذه الارادة وهذه العزيمة لا يمكن الا أن يعلو شدو البلابل على نعيق الغربان.

قد يهمّكم أيضا..
featured

الاستيطان: السرطان الذي يقضم امكانية السلام بين العرب واسرائيل.

featured

مدينة الرملة في القلب..!

featured

باراك، حصان طروادة اقتحم "العمل" لتنفيذ أجندة عسكرية

featured

السكوت الفلسطيني جريمة

featured

الإدارة الذاتية التربوية: رؤية حقوقية

featured

التآكل في العلاقات الاجتماعية

featured

للإرهاب في إسرائيل أب وأمّ شرعيّان!