الفارس المترجِّل

single

الباحث والمؤرخ الفلسطيني الراحل د. الياس شوفاني

 


*د. إلياس شوفاني رمز النُبل والإباء... كرهتَ التمزق العائلي والطائفي، حذرتنا من الشعارات الضبابية التي لا تأتي بمضمون فعلي من أجل رفعة المجتمعات الإنسانية *

 

هذه هي سنَّة الحياة التي لا بد منها، أن يلاقي كل إنسان أجله فقد شاءت إرادة المولى أن يرحل عنا فارس طالما كان محطّ اعتزاز ورفعة لكل من عرفه أو تتلمذ على يديه. وإني لأعتز ولا أنسى الأستاذ الذي كان لي الشرف الكبير أن أنهل العلم من نبعه في المرحلة الابتدائية، في وقت كانت الأستذة ذات اعتبار وكرامة اجتماعية لا تعرف الحدود.
أجل وبالتحديد سنة 1958 عندما كنت طالبًا في الصف الخامس وبعد أن نالت يد الخبث والمكر منالها في ترحيل أبناء بلدتي إقرث إلى قريتي الرامة ومعليا. عشنا في هذه القرية الوديعة متآخين متجانسين اجتماعيا، دينيا وفكريا مع أهلها على كافة انتماءاتهم. حيث تآخينا معا وكان والدي رحمه الله (أبو بشارة) صديقا صدوقا لكافة أبناء معليا فكان من عادة والد المرحوم إلياس شوفاني (أبو سليم) أن يزور والدي في فصح القيامة لتأدية واجب المعايدة وذلك برفقة العشرات من أبناء القرية الواحدة.
أجل إنها لذكريات يصعب محوها من الذاكرة فهي راسخة في الضمير والوجدان. نحنُّ اليها أبدًا حيث عمَّت المحبة وصفاء النفوس ما بين أبناء البلد الواحد.
لقد أرتأى هذا الرجل العصامي أن ينزح عن الوطن طالبا العلم والرقي مكافحا مثابرا من أجل رفعة الانسان والوطن. فكنا توّاقين الى طلّته، سعة صدره وحضوره الذي فرض الاحترام والاصغاء على سامعيه وطلابه  فرأينا فيه الرمز، الفارس، فانجلت به وسامة الرجال بكل ما فيها من هيبة ووقار.
لا أحد ينكر أنك ضحيت بالغالي والرخيص من أجل الوطن والأرض، فمحاولاتك في البناء ووضع الأسس تجلّت عندما أقَمتَ فكرة المتحف البلدي الذي يقبع في سراديب مدينة عكا التاريخية. فيومها عمل الأستاذ الياس على تحضير ورسم الخطط من اجل إنشاء هذا المتحف، فكل عود حراث أو جرن حجري وصورة لهي مجموعات اثرية تمّ جلبها الى المتحف بجهدك وستبقى شاهد عيان لكل امرئ يزور هذا المكان الأثري. ولا أعرف إذا كان أصحاب الشأن يقيّمون هذا العمل الجليل. والذي هو بمثابة شهادة فخرية في تفانيك وإخلاصك في خدمة التراث الوطني الفلسطيني.
باعتقادي لولا هذه الأيدي الطاهرة والنقية لهذا الرجل الفذّ لما قام هذا المشروع الشاهد على ماضينا الذي نفتخر ونتغنى به الى أبد الآبدين.
وقد أخبرني الأخ حنا شوفاني شقيق المرحوم أنه في تلك الفترة قام بزيارة المتحف رئيس الوزراء دافيد بن غوريون فذهل بملكة المرشد الرئيسي الياس للغة العبرية... فقام بالاستفسار أهذا الشاب عربي أم  يهودي ؟  فاستبقه قائلا: لست يهوديا أنا عربي فخور.
لقد حرصت أيها الإنسان الصادق وعملت على عدم اندثارنا ثقافيا. كرهت التمزق العائلي والطائفي، حذرتنا من الشعارات الضبابية التي لا تأتي بمضمون فعلي من أجل رفعة المجتمعات الإنسانية.
سنذكرك أبدا فأنت من الرجال الذين يصعب نسيانهم ومن الاستحالة عدم تذكرهم. وما توجهك الى كريمتيك هند ونور إلاّ بداية طريق وليس نهاية درب.
سنذكر أبدا قولك البليغ:
ما ورثت وطنا حرا لأورثكما اياه
وما لُمت جدكما "والديّ"  على ضياع الوطن
أملي ألاّ تحمِّلاني مسؤولية الإخفاق في تحريره
..... لقد حاولت....
الى جنة الخلد يا سيّد الرجال!!

 

(كفرياسيف)

قد يهمّكم أيضا..
featured

اطفال سورية يتجمدون حتى الموت.. والمليارات العربية "عوراء"!

featured

وزير الشؤون الفاشية

featured

عدوان مجرم لكنه فاشل!

featured

لا لحبل نجاة لإسرائيل!

featured

المشتركة : كنز ثمين يجب الحفاظ عليه

featured

متطلبات السلام العادل واضحة فالى متى تجاهلها؟

featured

حَمَّلوهُ مِلَفّاتٍ ...

featured

لا حلّ إلا على أرض فلسطين