ارتكب متخلفون ليبيون جريمة قبيحة نكراء عندما هدموا تمثالاً للرئيس العربي المصري جمال عبد الناصر وهم يهتفون ويصرخون "الله أكبر"، ذكرتني بقطعان طالبان حينما حطموا بفؤوسهم ومطارقهم ومعاولهم – أمام عدسات التلفزة العالمية – أثراً حضارياً تاريخياً كان المسلمون قد حافظوا عليه طيلة مئات السنين الغابرة.
كلما سمعتُ نداء " الله أكبر"، هذا النداء الديني الثوري، تذكرت الصحابي الأسمر بلال بن رباح يرفعه معلناً نهاية عهد الجاهلية والكفر والفرقة والعصبية القبلية وبداية عهد الإيمان والوحدة والنور والعلم، كما تذكرتُ آلاف الشبان المصريين، جنوداً وطلاباً وعمالاً وفلاحين، ينشدون: "الله أكبر فوق كيد المعتدي" ويتحدّون جنود العدوان الثلاثي، الانكليزي الفرنسي الإسرائيلي في العام 1956، فكيف سمح هؤلاء الحاقدون المتخلفون لأنفسهم أن يسيئوا للعرب وللإسلام وللمسلمين بفعلتهم النكراء؟
لم يأتِ هذا العمل المنحط صدفة، بل هو نتيجة تحريض وتثقيف رديء وحقد أعمى غذتهم به حركات دينية سلفية رجعية على الزعيم العربي الوطني الكبير الذي طرد الانكليز من مصر ودعم الثورات وحركات التحرر في العالم العربي وفي إفريقيا وفي آسيا وفي أمريكا اللاتينية. عبد الناصر الذي دعم بالسلاح والمال وبالسياسة الثورة الجزائرية والثورة اليمنية وثورة جنوب اليمن والثورة الفلسطينية ودعم الليبيين لطرد الطليان وإقفال القواعد العسكرية على أراضيهم، والذي أمم قناة السويس وبنى السد العالي وسن قانون الإصلاح الزراعي وبنى مصانع الصلب والحديد والألمنيوم، والذي وقف منتصب القامة مرفوع الهامة في وجه الاستعمار الأمريكي والبريطاني والفرنسي وفي وجه الحركة الصهيونية وأطماعها.
يهدمون تمثال الزعيم الوطني العملاق الذي دعا أبناء وبنات الأمة العربية ليرفعوا رؤوسهم وينتفضوا على الاستعمار والعبودية والتخلف.
هل هذا العمل بداية لحملة تخلف وانغلاق فكري قد تطال رموزا تاريخية وأدبية وفنية وحضارية ووطنية وقومية؟
يا للعار!! يا لعارهم أمام العالم!!
أنا لا أقدس شخصيات ولا أنزه أشخاصاً ولكني أحترم وأقدر من ساهم في بناء الإنسان العربي في هذه العصر.
في شهر كانون الثاني الماضي 2012 طلبت مني صحيفة "العربي" الناصرية القاهرية أن أكتب لها مقالاً عن الرئيس الخالد أبي خالد بمناسبة ذكرى ميلاده فرحبتُ بذلك وكتبتُ مقالاً عنونته "شهيد الثورة الفلسطينية" . ألم يلقَ الرجل ربه وهو يعمل ليلَ نهار بجهدٍ لا يتحمله البشر لإنقاذ الثورة الفلسطينية من مجازر أيلول 1970؟ وقد أعادت مجلة "آخر ساعة" القاهرية نشر المقال نفسه بعد أسبوع من نشره في صحيفة "العربي". وكتبتُ في مقالي المذكور – فيما كتبت – أنّ الزعيم الكبير لم يكن ديمقراطياً وأنه ارتكب عدة أخطاء لكنها لا تنقص ولا تقلل من دوره التاريخي العظيم فلا يوجد قائد سياسي بدون أخطاء، ولكن هناك مسافة طويلة بين النقد وبين الحقد، وهناك من عمل ويعمل باستمرار لتشويه صورة عبد الناصر انطلاقاً من حقد حزبي أو طبقي أو استعماري أو صهيوني ويرى اليوم أن الزمن موآتٍ ليثأر من هذا الزعيم الوطني العملاق. وهؤلاء النفر الساقط من الليبيين الذين أعماهم الحقد وضللتهم الدعاية السامة أساؤوا إلى تاريخنا العربي كما أساؤوا إلى حضارتنا وثقافتنا والى الإسلام والمسلمين أمام العالم، وكشفوا مبكراً عن نوايا قوى التخلف والرجعية والسلفية التي تحاول أن تسرق دم الثوار والحراك الشعبي الثوري العربي لصالحها فهل يسمح شبان الثورة وشاباتها في مصر وتونس والمغرب وليبيا واليمن وسوريا لهؤلاء المتخلفين أن ينفذوا أجندتهم ؟
لا أعتقد.
