أقوياء، ولكن أغبياء!

single

قيل، فيما مضى، "إنّ في الأرض لعبرا"، ولكنّها لمن أراد أن يعتبر. هذه العبر موجودة أمام أعين بني البشر، وعساهم يعتبرون. والقصد من الحديث هنا الشعب اليهودي وزعماؤه، نتنياهو الذي يحفظ وصيّة والده ويفكّر بعقليته،  ثم  وزير خارجيته، ليبرمان، الذي يجيد دور البلطجي، وثالثهم وزير أمنه، باراك مفتول العضلات. فهؤلاء يعانون من قصر نظر بالغ، وقد يكون ذلك نابعًا من العوامل التالية:
أولا:  ربما قد فاتتهم الحقيقة بأن إسرائيل تقع في محيط من العرب والمسلمين. وهذا يعني أن لا وسيلة من وسائل القوة تنفعهم للمحافظة على بقائهم وعيشهم هنا بسلام حتى لو وضعوا إسرائيل في علبة - وهو ما يفعلونه،  فبحسب تفكيرهم الضيق، فإن الجدار الفاصل من الشرق ومن الجنوب، ومن الشمال، ومن ثم تغطية السماء ببطاريات الصواريخ- فكأنهم يضعون إسرائيل في علبة. ولكنّ هذا لا يفيد، وعليهم البحث عن الطرق للعيش بسلام وطمأنينة، وذلك لا يتم بالقوة والاستعلاء،وكلنا ما زلنا نذكر حادثة إهانة السفير التركي في إسرائيل.
يكفي النظر إلى نتنياهو، رئيس الحكومة، لدى لقائه للسفراء الأجانب أو لدى استقباله لضيف أجنبي، كيف يتصنع في لغته الإنكليزية، فيتكلم باستعلاء وبلغة الواثق بأن ما يقوله هو الصحيح. لقد وصل به الأمر أن يعتقد بأنه من يقرر للعالم وليس غيره، وما على دول العالم إلا أن تنفّذ. يخيّل إليه أن ما يقوله هو الحقائق، وما على الضيف أو السفير إلا أن يبصم على ما يقوله. لقد قرّر أنها حقائق فعليهم قبولها وهو قرر كذلك أن باستطاعته استخدام كل ما يريد مهما كانت خطورته، فهذا دفاع عن النفس، ولكنه محرّم على الآخرين.
للحقيقة يمكن القول، إنهم نجحوا في ذلك إلى حد بعيد، فقد وصل بهم الحال أن ألزموا بعض الدول بتغيير بنود في دساتيرها، حتى لا يضطرها الأمر إلى القبض على إسرائيليين متهمين بجرائم حرب. وهذا حدث مع بريطانيا، فلا زلنا نذكر زيارة تسيبي ليفني التي ألغيت زيارتها، وكذلك كان الحال في دول أخرى . لقد سمح نتنياهو لنفسه بالتدخل في شؤون الولايات المتحدة الأمريكية، وفي اجتماعاته مع أوباما كان نتنياهو يتصرّف وكأنه يأمر أوباما بما عليه أن يفعل، وكنّا نشاهد عبر الشاشات كيف كان أوباما يجلس أمام نتنياهو كالولد الشاطر.
وثانيا : غرور حكّام إسرائيل، بأنهم الأقوى في هذا المحيط من العرب، وأنهم قادرون، نظرا لضعف تلك الدول، على القيام بأي فعل: من حرب وتجسّس واغتيال وحتى في عقر دار تلك الدول. لقد أشار الإعلام مرارًا إلى حوادث من هذا القبيل. لقد فاتتهم العبرة القائلة أن القوي ومهما طالت الأيام لن يبقى الأقوى ولا الضعيف ضعيفا. فالصغير يكبُر والضعيف يقوى. أنا لا أقول ان حزب الله، أو حماس، قادر على هزم إسرائيل، لكنّ حزب الله اليوم هو غيره في العام 2006، وحماس في 2008، غيرها في عمود السحاب. هذه المرة حتى لم يجرؤوا على الدخول لغزة. وماذا كانت النتيجة؟ توصلوا إلى توقيع هدنة مع حماس  هي نفسها تلك التي كانت على وشك الحصول عليها يوم أن اغتالوا أحمد الجعبري، قائد الجناح العسكري في حماس. 
لقد كانت المفاوضات جارية ومع أحمد الجعبري، حول بنود اتفاقية وصلت اليه عبر وسيط إسرائيلي ليوقعها، فقامت إسرائيل باغتياله. على الشعب الإسرائيلي أن يسأل حكومته لماذا؟ لأنه وكما يتبين فان قادته يقامرون بمصير السلام، وفي كل مرة يجدون ذريعة لإبعاد فرص السلام: مرة بحجة أنه لا يوجد شريك ومرة بأن المفاوضات يجب ان تجري بدون شروط مسبقة، وهذا يعني أن على هذا الشريك ألا يفتح فمه بتاتًا، فالشريك كما يبدو، في نظرهم هو ذلك الشخص الذي سيوقّع لهم وثيقة التنازل عن باقي فلسطين بالكامل وهذا بالطبع غير موجود ولن يكون يومًا موجود. إنهم يحلمون. 
أما ثالثا فهو تصديقهم بأنهم شعب الله المختار، وأن هذه البلاد هي أرض الميعاد التي وهبها الله لهم دون سواهم. كل هذه العوامل مجتمعة نمّت  لديهم روح الغرور وحب النفس والفوقية ولذا فلا غرابة أن نرى جنوح الغالبية من الشعب اليهودي لليمين، ويستغل قادتهم هذه الظاهرة ليصلوا الى كرسي الحكم فتبدأ المباراة فيمن يكون متطرفا أكثر. ووصل الأمر أن يعلن نتنياهو، متحديًا جميع الأمم حتى الصديقة والصديقة جدا، عندما أعلن عن جملة عطاءات للبناء في الأراضي المحتلة، كرد فعل على منح الجمعية العامة للفلسطينيين صفة دولة ليست كاملة العضوية في الأمم المتحدة. وهنا يجب أن لا يفوتنا أن هذا الموقف تم استغلاله من قبل نتنياهو في حملته الانتخابية.
إن رئيس الحكومة مغرور، والذين كانوا حوله يعرفونه جيدا، وأوّلهم إيهود باراك وزير أمنه الذي قد يكون خروجه من الحلبة السياسية لم يأتِ من فراغ. فيمكن ان يكون هنالك خلاف ما قد حصل ونتيجة ذلك، رأى باراك أنه لا يقدر أن يتحمل مسؤوليته ولا يقدر في الوقت نفسه ان يمنع نتنياهو ولذلك أنسحب. ثم تكفينا تصريحات أوباما في هذه الأيام بأن نتنياهو ليس رجل سلام وأن سياسته تقود شعبه إلى الهاوية وأن طريق العيش والبقاء لإسرائيل ليست هي الطريق التي يسلكها نتنياهو. هذه التصريحات جاءت  بالفعل كما يقول المحلّلون لنصح الشعب الإسرائيلي، وليس كما قال البعض الآخر أن اوباما يريد أن يرد الصّاع صاعين لنتنياهو لأنه تدخل وساند منافسه في الانتخابات الأمريكية.
إن رؤية الوضع تتضح الآن أكثر وأكثر، وسنة 2013 ستكون سنة حافلة وربما ستجري أحداث مهمة سواء أرادوا أم أبوا - فالدول الأوروبية قد كشفتهم وأوباما يدرك أنه حر التصرف في الدورة الرئاسية الثانية.
مع الجدار الفاصل من الشرق والجنوب والشمال، وتغطية السماء ببطاريات الصواريخ- كأنهم يضعون إسرائيل في علبة
قد يهمّكم أيضا..
featured

آذار التحدِّي وكسر حاجز الخوف

featured

الواقع يتطلب ذهاب وغياب الحكومة الى غير رجعة

featured

أن تحبّ حيواناً!!

featured

لا غالب ولا مغلوب

featured

تأبي العصيُّ إذا اجتمعن تكسّرا وإذا افترقن تكسّرت آحادا

featured

ثورات وأوهام: هكذا ابتلعت أميركا الديموقراطية (2-2)

featured

عن شخصية العدوّ: من يحكم اميركا اليوم؟ (1)

featured

ذكريات من سنوات الستين: مع محمود درويش تحت خيمة واحدة