آذار التحدِّي وكسر حاجز الخوف

single

يوم الارض في دير حنا قبل اسبوعين


تسعة وثلاثون عاما قد مرت على الهبة الشعبية البطولية ووقف أصحاب الأراضي كالطود الشامخ  في وجه قرارات الظلم والبطش لمصادرة الأراضي آنذاك برئاسة رابين، والتي حاولت من خلال هذه القرارات مصادرة واحد وعشرين ألف دنم من أراضي منطقة المل وتحويلها إلى منطقة عسكرية ومنع أصحابها من الدخول إليها. كان ذلك بناء على رسالة بهذا الخصوص كان قد أرسلها إلى المجالس المحلية في دير حنا عرابة وسخنين بالإضافة، لتصريح له نشر بصحيفة "الأنباء" الصادرة بتاريخ 5-2-1976 شمعون بيرس وزير "الامن" آنذاك.
على ضوء هذا التصريح قامت إدارات المجالس المحلية الثلاث بتوجيه رسالة معاكسة لوزير "الامن" تطالبه بالعودة عن تصريحاته السابقة بخصوص قرار المصادرة، وإلغاء إشعارات المنع التي كانت قد أرسلت للمواطنين بمنعهم من الدخول إلى المنطقة تسعة أو إلى أراضيهم ومزاولة زراعتها  وفلاحتها كالمعتاد. إلا ان بيرس وحكومته رفضوا هذا المطالب لرؤساء المجالس المحلية واستمروا في غيهم وبلطجتهم وعنجهيتهم ضد جماهير شعبنا  ولم يتنازلوا عن قرار المصادرة. وبناءً على هذا الصلف والتكبر من قبل السلطة الحاكمة قررت لجنة الدفاع عن الأراضي ان الثلاثين من آذار عام ستة وسبعين سيكون يوم إضراب سلمي شاملا للوسط العربي، وذلك احتجاجا على قرار المصادرة الظالم. وفعلا هذا ما قد حصل في تلك الأيام وان لجنة الدفاع عن الأراضي قد توصلت إلى هذا القرار بعد ان استنفدت وأوصدت جميع الأبواب الحكومية للتوصل إلى الاتفاق لإلغاء قرار المصادرة عنها.
إن آذار شهر العزة والكرامة وبه انكسرت وتحطمت كل حواجز الخوف وسياسة البطش الممارسة على رقاب شعبنا منذ عقود طال أمدها، وذلك بفضل الدماء الزكية التي سفكت على أيدي قوات الأمن. ولقد حاولت السلطة عن طريق عملائها  من بعض رؤساء المجالس المحلية آنذاك المرتبطين بسياسة الحكومة حاولوا مدفوعين منع اتخاذ القرار بالإضراب في اجتماع شفاعمرو وقد فشلوا فشلا ذريعا، وكان لهم بالمرصاد طيب الذكر توفيق زياد تسانده  جماهير واسعة محتشدة في ساحة الاجتماع غاضبة من هؤلاء، فقال لهم توفيق زياد سيتخذ قرار بالإضراب (غصبن عنكم واللي مش عاجبه يشرب من البحر) وقد حصل الإضراب الشامل في جميع قرانا ومدننا العربية، وعندها دخلت قوات الأمن إلى جميع القرى والمدن العربية في محاولة منها لكسر وإخضاع هذا الإضراب بقوة السلاح لكنهم فشلوا فشلا ذريعا وتم فعلا كسر حاجز الخوف والتشظي إلى الأبد.
أكتب هذا لدغدغة أفكار هؤلاء الإخوة الذين نسوا ما قد حصل من أحداث مؤلمة واعتداءات رجال الأمن على المواطنين في تلك الأيام. اكتب هذا أيضا إلى أبنائنا وبناتنا من الجيل الصاعد ولأبناء شعبنا كله الذين لم يحالفهم أو يسعفهم حظ المشاركة في البطولات والتضحيات في تلك الأيام وما بذلوه من شجاعة منقطعة النظير بالتصدي لمجنزرات الجيش وآلياته العسكرية عندما دخلت إلى ساحات القرية وشوارعها وأزقتها.هؤلاء الدخلاء الذين جاءوا ليحطموا إرادة هذا الشعب بقعقعة المجنزرات وكانوا يطلقون الصراخ على المواطنين لتخويفهم وترويعهم بأن ادخلوا إلى البيت وإلا سنطلق النار عليكم، ولكن هذه الصرخات ردت إلى نحور مطلقيها وتصدت لهم الجموع الغاضبة بكل عزم وقوة من صبايا ونساء، وحتى من كانوا في سن العجزة قد شاركوا بالدفاع عن الأرض والعرض والشرف كما ان والدتي رحمها الله التي كانت في السابعة والستين من العمر قام الجيش باعتقالها وإدخالها إلى مجنزرة ومن ثم نقلوها إلى معسكر الاعتقال الجماعي على المدخل الغربي للقرية، وكان هناك  العشرات من  الشباب الذين تم اعتقالهم من قبل رجال الجيش.
لقد كان  الشرف الكبير لدير حنا ان قدمت العشرات من الشباب الجرحى أسوة  ببقية قرانا ومدننا في سبيل الدفاع عن تمسكهم وانتمائهم الوطني ودفاعا عن الأرض والعرض. ومن بين هؤلاء الشباب الجرحى الأخ محمد محمود سالم ولولا لطف الله لبترت يده وقد حالفنا الحظ بإرساله في حينه للعلاج عند طريق الحزب الشيوعي إلى موسكو وتم علاجه وشفاؤه. وهناك العديد من الإخوة الجرحى الذين سقطوا برصاص الجيش وتم علاجهم محليا ومن بينهم الأخ رجا خطيب ونايف حجو والقافلة من الجرحى طويلة من الذين أصيبوا برصاص القوى الغاشمة.
عودة على بدء ان آذار عام ستة وسبعين كان آذار التحدي والصبر على الألم ومواصلة المعركة ومن خلاله كسر حاجز الخوف  من سياسة البطش والتخويف بالاعتقالات وفرض سياسة الأمر الواقع كما هي والغرامات الباهظة على المواطنين بشتى الحجج والمسميات الكاذبة كالبناء غير المرخص وغيره، فآذار الستة والسبعون هو آذار ماجد مجيد ووضع من خلاله حد لغطرسة هؤلاء العنصريين ووضع حد لهذه العنتريات السلطوية على مدار عقود طويلة من الزمن، هذا بالطبع يرجع بفضل الدماء الطاهرة التي سفكت على أيدي هؤلاء المعتدين.
أكتب هذا التاريخ الناصع من معاناة شعبنا وعن صموده الرائع في وجه سياسة الظلم والاضطهاد القومي الممارس بحقنا كأقلية قومية في هذه البلاد. كيف لا ونحن أصحاب الحق
والأرض والبيت الأصليين فهذه السياسة ممنهجة وممارسة ضد أبنائنا منذ إنشاء هذه الدولة وحتى الآن.
أكتب هذا ليعكس أثره الفكري الوطني على الجيل الناشئ الصاعد لكي لا ينسى ما وقع من معاناة على والده ووالدته وشقيقه وابن عمه وجاره أيضا، وأنا اعتقد وبحكم المتأكد ان هناك نسبة عالية جدا من شباب اليوم لا تدرك إلا القليل جدا عن أحداث آذار وما واكبه من أحداث مؤلمة عام ستة وسبعين ولربما لا يدرك هؤلاء الشباب عظم وأهمية هذا الحدث التاريخي في حياة شعبنا. ان هذا الذي كتب هنا ليس كل ما حصل في آذار ستة وسبعين إنما هذا جزء يسير مما حصل وسنعود على ذكره في قادم الأيام ان شاء الله. ولنبق ذكرى آذار معْلما تاريخيا راسخا مترسخا في قناعاتنا وفكرنا ونهجنا، ولنعمل على نقل هذه السيرة الناصعة من تضحيات شعبنا في سبيل الدفاع عن الأرض والعرض إلى من سيرثوننا، ولكي تبقى هذه الشعلة مضيئة في سراديب الظلام الحالك في هذه الأيام.



(دير حنا) 

قد يهمّكم أيضا..
featured

من معاناة الجماهير الكادحة وُلدت الاشتراكية العلمية التي تزيل الفوارق الطبقية

featured

رفضًا للمس بقيم الطبيعة وثرواتها

featured

دمشقغراد بلد المعجزات

featured

رحيل زوجة مناضل وأم حنون

featured

إجماع صهيوني على استيطان القدس

featured

ذكرى برناويّ خالد

featured

من نامَ لم يدرِ طالَ الليلُ أم قَصُر

featured

كي يكون مؤتمر الجبهة الثامن رافعة لعمل الجبهة وشعلة أمل للشعبين: المعركة على الوعي