يؤدي انعدام الرقابة الرادعة الحقيقية على مصانع وشركات إنتاج المواد الكيماوية الخطيرة، الى تكرار مكاره بيئية خطيرة، مثلما حدث نهاية الأسبوع وكُشف عنه أمس، جراء تسرب في مصنع شركة إسرائيل للكيماويات المنتجة للبوتاس والأسمدة بصحراء النقب، ما أدى الى وقوع أضرار لم يتضح حجم خطورتها بعد.
وزارة البيئة التي يفترض أن تتولى متابعة وتشديد الرقابة، ويشتبه انها مقصرة بهذا، اعترفت بأن كميات كبيرة من مياه الصرف عالية الكثافة الحمضية قد تسربت إلى الصحراء، وشقت كمية كبيرة منها طريقها إلى قاع قناة تمتد عبر الصحراء مما أوقع "أضرارا بيئية جسيمة".
المشكلة ليست تقنية فقط، بل إن المنطق الاقتصادي والسياسي الذي توضع في إطاره مصالح الشركات وأرباحها في درجات الأولوية العالية، دون الحفاظ على توازن ضروري مع قيم جودة البيئة وحفظ الثروات الطبيعية، هو منطق مضرّ ومدمر. هذا إفراز مباشر وصارخ للتوجه الرأسمالي المهيمن الذي يضع قيمة الربح المادي فوق أية قيمة أخرى. لا يمكن قراءة وتحليل مثل تلك الحوادث بمعزل عن هذه الأداة الفكرية-السياسية.
لقد تعرضت مساحات واسعة من الشواطي والمناطق الطبيعية للاقتحام خدمةً لمشاريع الربح والاستيطان (الرأسمالية والقومجية على التوالي..) وجرى في حالات اخرى استخدام عناوين حماية الطبيعة كوسيلة ديماغوغية للتغطية على مخططات نهب للأراضي من العرب، وهو ما يكشف عمق نفاق السياسة المنتهجة التي تستخدم مقولات الحماية لغير هدفها، بينما تتقاعس في تطبيقها حيث يجب ويجدر!
إن المس بالثروات الطبيعية، بأحيائها ونباتاتها ومعالمها ومناظرها، هو اعتداء عنيف على ممتلكات عامة من جهة، وعلى ما تبقى من فضاء طبيعي لم تقتحمه سيرورات الاقتصاد المختلفة، من جهة اخرى. ولا يعني هذا تجاهل الأهمية غير القابلة للجدل للتطور والإنتاج الاقتصاديين، بل يُقصد وجوب تأكيد إبقاء بل وتشديد الخطوط الحمراء أمام عجلات الاقتصاد بحيث لا يُسمح بتعريض قيم وثروات طبيعية وبيئية للضرر والخطر. بدون هذا التوازن سيكون الناتج مزيدًا من التدمير المؤسف.
