بداية عصر "الرينيسانس" العربي؟

single

جاء  في سياق مقالة  لنا   بعنوان "لماذا  صمتت الشعوب العربية؟  " نشرتها جريدة "الاتحاد"   الغراء   في  20.4.2005 ما يلي  " في كل عام  يحتفل  الفرنسيون  بذكرى سقوط سجن الباستيل  على المستويين  الرسمي والشعبي الأمر الذي يرمزُ  الى بداية الثورة الفرنسية  الكبرى التي طالبت  لأول مرة في التاريخ  بحرية الشعوب، والتي قضت على الاقطاع وخلقت  المجتمع المدني الشامل  بعد أن  فصلت الدين عن الدولة. يقال  ان الثوار عندما اقتحموا الباستيل   ذاك السجن الرهيب الذي  جَسّد  ظلمَ الملكية المطلقة وفساد المؤسسة الكهنوتية اللاهوتية هناك، لم يجدوا  فيه الا ستة من السجناء السياسيين . كانت ثورة جبارة دفعَ  شعب فرنسا ثمنها دما بسقوط أكثر من 6 ملايين من أبنانها  أي ثلث الأمة الفرنسية آنذاك . أوصلت فرنسا ومعها أوروبا  كلها  الى بداية عهد جديد. أين الشعوب العربية من رياح التغيير وأنظمتها  الفاسدة التي حولت الوطن العربي كله الى  باستيل  كبير؟؟ " . كتبنا  تلك المقالة اثرالمرارة  والهوان  والانحسار بل غياب الحس الثوري للجماهير العربية  بعد "الردة الساداتية  " التي  قضت  نهائيا على مكاسب  ثورة 22 يوليو/تموز في  مصر. أعادت  تلك الردة الخيانية الفريدة من نوعها في التاريخ  الأمة الى الحضيض السياسي  والاجتماعي والاقتصادي والقومي،  بعد أن قتلت فيها روح المقاومة والكرامة  ووضعتها تحت رحمة الصهيونية و الاستعمار الجديد الذي  قضى أو كاد يقضي على روحها الوجودية والثقافية  ووضع كل مكتسباتها  في مهب الريح . خسرت الأمة  صراعها  الثقافي والحضاري وأصبحت  لقمة سائغة للغرب  الاستعماري  الذي ما انفك حتى هذه اللحظات يدقُ المسمار تلو الآخر في نعش الأمة العربية، لشلها  نهائيا وجعلها عاجزة مُجردة من الكرامة القومية والوطنية ولقمة سائغة للعولمة المتوحشة التي ترى بها أرقاما  اقتصادية متصاعدة تعيسة تعيش على فتات الغير . لقد  ظهر هذا الهوان العربي وتجلى بعد سقوط الاتحاد السوفييتي  والمنظومة الاشتراكية التي كانت درعا للشعوب المغلوبة على أمرها في العالم الثالث حينذاك  وفي المنطقة العربية بصورة خاصة .
صَمتت الشعوب العربية صمت الخراف عندما  حُوصرت بيروت وطُردت المقاومة الفلسطينية منها الى تونس وتململت عندما  ضُربت  بغداد  مهد الحضارة العربية  والعالمية على مد العصور التاريخية المختلفة . احتَجت ونزلت الى بعض الشوارع عندما ضُُرب لبنان عام2006  بهدف القضاء على  بقايا روح المقاومة العربية  وخَرجت بآلافها المؤلفة الى الشوارع  عندما حُوصرت غزة وضُربت  وقُصفت ببشاعة منقطعة النظير أمام بصرالعالم وضميره الغائب أبدا. احتجاجاتها  ورفضها لم يكن  على مستوى تلك الأحداث العربية المصيرية التي  أودت بالأمة الى هوان ما بعده هوان. رغم كل هذا فشل  الغرب الاستعماري  في القضاء على روح المقاومة  وفشل  في تمرير مُخططه الجديد  القديم في خلق شرق  أوسط -  شرق عربي جديد- عاجز عن المقاومة وحتى على مجرد  البقاء بعد   تجزئته  وسرقة ما تبقى فيه من كرامة ومن ثروات. لكنه نفس الغرب وأمريكا بالتحديد ساهم ومازالت تساهم  في ابقاء  أنظمة الذل التي باعت القضايا العربية وخاصة قضية فلسطين بثمن  بخس  والتي  سَلطت  سيوفها  الرجعية العميلة على رقاب المواطن العربي  العادي في كل مكان،  بعد أن سَلبته حُريته ولقمة عيشه  وأمنه الوجودي والغذائي  وكسرت روحه  النَهضوية  الثورية التي تعيشها أمم  وشعوب مماثلة في العالم الكبير.
" الرينيسانس "   أي البعث  أو الميلاد الجديد  هو عصر النهضة الأوروبية وهو الفترة الزمنية ما بين القرن الرابع عشر والثامن عشر. باختصار شديد  هي فترة ازدهار الثقافة  الاوروبية  وعودة الروح لشعوب القارة  الباردة التي غرقت  في  وحول العصور الوسطى. كانت خلالها فريسة مُتهالكة للحكم الملكي المُطلق واللاهوتية الكنسية الرجعية  التي  سرقت  حتى أحلام الناس هناك وأبقتهم عرضة لمحاكم التفتيش ولبطش الكرادلة والقساوسة . تجلت عودة الروح هناك في بداية  بالثقافة  والفنون  ونقصد الرسم والشعر والأدب الذي خرج من أروقة العصور الوسطى المظلمة  ومن أقبية القصور والكنائس الى الناس في الشوارع  الذين كانوا هم ومازالوا في أي مكان وزمان  سر وأصل وسبب الوجود . على سبيل الحصر نذكر أهم رموز تلك الحقبة  وخاصة في ايطاليا التي كانت مركز أوروبا السياسي والثقافي والديني المسيحي  لوجود الفاتيكان والبابا ، الأمر الذي أوجد الرسامين والكتاب والشعراء  الذين بحثوا عن سبل العيش في أروقة الكنيسة الغنية   التي سرقت قوت الناس الغلابى على مر العصور. زينوا قباب  الكنائس والأديرة  والقصور ومجدوا حاضرها  ووجودها . نذكر-  جوتو دي بروندي – الذي خلق" الفريسكا "لاول مرة  أي  الرسم على الحائط بينما لايزال الجصّ او المَلاط طريا طازجا وحيا مُتحولا ومُتميزا عن لوحات الفسيفساء على النمط الاغريقي القديم التي زَينت بها الكنائس حيطانها   صورها  وأيقوناتها  البعيدة عن الواقع المعاش وعن صورة الانسان ثلاثي الأبعاد الحيّ المتألم  في شوارع  روما وفلورنسا وبولونيا.
نذكر في هذه العجالة أيضا  " دانتي اليجييري " الشاعر الايطالى الفذ الذي كتب  "الكوميديا الالهية"  التي مازالت الى يومنا هذا تترجم وتقرأ  وتُعد بحق  من عيون الأدب العالمي على  مر العصور. الأمر الذي ساهم مع غيره من الابداعات الأدبية والفلسفية في اخراج أوروبا من ظلمات العصور الوسطى  الى النور. تحدى   بها  دانتي  الفكر اللاهوتي الكنسي  في صوت مَهول من التفاصيل المُتعمقة المُتربصة بالانفعال الشعري عندما  وصف هذا  الشاعر الفيلسوف فيها  بعبقرية فريدة  ما زالت تحير القراء والنقاد الى اليوم، نزوله الى الجحيم  ثم اختراقه " المَطّهر"  صعودا الى الفردوس. هذا  الأمر بحد ذاته  أوجد  للفرد البشري  هناك  ذاته الانسانية  وحرية فكره في وجوده ومن ثم حقه في تفسير  هذا الوجود وبناء  قالب  جديد متجدد فلسفي وأدبي وعلمي  تهافت عليه الفلاسفة والكتاب والشعراء وخلقوا عصر النهضة هناك والذي مازالت  تنعم به شعوب أوروبا الى يومنا هذا. اذًا  بداية  عصر النهضة في أوروبا أوجد عودة  الروح والوعي  للناس  هناك  ومَهدت لهم طريق المستقبل الجميل الكريم الآمن الذي يعيشونه الآن هناك. طالما حاورت نفسي وحاورت الآخرين مقارنا  وجودنا التاريخي  وأهميتنا الحضارية  التي أسهمت  كثيرا في الحضارة الانسانية التي تعيشها الدنيا في كل مكان . لكنني  كُنت  كغيري  من ملايين العرب الأحرار ننتظرُ دانتي العربي وننتظرُ  " كوميديا الهية " عبقرية تضعنا على بداية  طريق المليون خطوة نحتاجها ويحتاجها الانسان العربي  في طريق  صعوده  من  جحيم العصور الوسطى العربية الذي مازال حاضرا الى عصر الحرية والانبعاث الحضاري من  جديد ، بعد أن توقف هذا الانبعاث منذ  أن خرج  العرب من فردوسهم المفقود  في الأندلس في  نهاية القرن الخامس عشر الميلادي . انتكسنا  بعد الخروج من  تلك "الجنة " وتوقف العقل العربي عن   الابداع والانتاج  وأصبحنا  ندور في فلك الأصولية التكفيرية والأنظمة  التوتاليتارية،  بعد أن   غَيبت  حقيقة وجودنا الحضارية الخلافة العثمانية ومن بعدها  الاستعمار الغربي  لقرون خمسة كانت قاحلة وجرداء  لم ينبت فيها  زرع  جديد  في دنيا العرب ولا عقل  عربي جديد موازٍ  لدانتي ولغيره من عباقرة الغرب ولا  حتى مجرد  ادراك حقيقي  لوعينا المفقود الذي تاه في أبعاد الجحيم.
كنت مؤمنا ومازلت أن الشعوب هي التي تصنع  تاريخها  وليس التاريخ من يصنع الشعوب. تاريخنا شابه  الى حد كبير  تاريخ الأمم الأوروبية اذا نظرنا الى الأمر من بعيد وبصورة عامة مُكبرة على مد العصور والقرون . كنا قبائل  في الصحراء من أوس  و خزرج  ومن عدنان وقحطان  وغسان  وكانوا  أقواما من القوط والفايكنج والفندال . وحدتنا عقيدة وحدانية خلقت أفقا لتكوين أمة بدلا من قبائل متجانسة ومتباعدة.  وحدتهم  عقيدة ايمان متشابهة أصلها من صميم شرقنا مكونة لهم دولا وقوميات .عندما اشتد ساعدهم غزوا ارض العرب وارض المسيح عليه السلام .  كان لنا أندلسنا وكان لهم  أندلسهم  في  روما وبلاد الاغريق القدماء . دهمتنا  سلطة الفرد المطلقة  بعد أن خرج الحكم العربي من  شرنقة الشورى في  مكة الى دمشق    وغرقنا  في  ظلمة العصور ، وكان لهم عصورهم  الوسطى والملكية المطلقة ومحاكم التفتيش.
كان لهم عصر نهضة  ونحن  مازلنا نغرق  في وحل العصور.
جاءهم  قبس  ثورتهم  من كومونة  باريس  ومن الثورة الفرنسية ومن ثورة اكتوبر الاشتراكية الاولى في التاريخ وجاء الآن قبس ثورثنا من  تونس الخضراء بلد هنيبال فاتح روما وابن خلدون وأبي القاسم الشابي ومن أم القرى العربية الجديدة سيدي أبو زيد . خلقوا واقعهم الجديد  قبل  قرون  وها نحن  نبدأ بخلق  واقعنا الجديد الآن  في بداية القرن الواحد والعشرين  ونعود الى ادراك وعينا  قبل أن يفوتنا  قطار الزمان في محطته الأخيرة.
هم أبدعوا في صنع الثورة في فرنسا وروسيا   وها نحن  نبدعُ  في خلق  ثورة  من نوع  جديد  طال انتظارها  في تونس. أوجد الثورة الفرنسية  قادتها المبدعون امثال فولتير وجان جاك روسو ومونتسكيو .  خلق  ظروف ثورة  اكتوبر الاشتراكية ايضا  كتاب ومبدعون أمثال  توليستوي وماياكوفسكي وغوركي  وقادها لينين وستالين وتروتسكي و بليخانوف.
من اوجد  وحقق الثورة  التونسية- العربية  الوليدة  الشرعية  للشعب التونسي البطل  هم أحرار تونس  من الشباب والعمال والفلاحين  والحرفيين  والمثقفين  الوطنيين واتحادات العمال  والنساء والرجال على حد سواء. قبس هذه الثورة سينطلق الى الجوار العربي  والى كل الأحرار العرب الذين  انتظروه  وطال انتظارهم من المحيط  الى الخليج .هاهو  قاب قوسين أو اقرب من الأهرام من ابي الهول  ومن عبد الناصر ومن سعد  زغلول واحمد  عرابي. نعم انه اليوم  وفي هذه الساعة على مشارف مصر أم  العروبة " وأم الدنيا "  التي كانت دائما سباقة عبر تاريخنا العربي الطويل  في  حشد الثورة العربية والقوة العربية والسر العربي من أجل  البقاء  بكرامة عالية في هذا العالم المُستعر وفي  دحر الغزاة  من كل حدب وصوب  عبر العصور. القبس كان  من تونس ولكن نار الثورة  العربية الشاملة  ستنطلق من حارات القاهرة ومن شواطئ الاسكندرية ومن  قناة السويس المصرية العربية الى قنوات وعروق العالم العربي  البعيدة والقريبة.
نكتب هذا   ونتحسس وجودنا  حولنا أمامنا ووراءنا. هل  نحسُ ونرى الحقيقة  عارية وماثلة  للعيان أم أننا  ندور في متاهات  الفكر وشطحات الأدب وأضغاث الأحلام والكوابيس التي  مرمرت  وجودنا  قرونا  طوال.
لا يسعنا الا أن نذكر هنا في هذا المقال بأن الأصولية المُتعصبة كانت  أحد أسباب هواننا وضياعنا ردحا طويلا  من الزمن وقد كتبنا عن ذاك الأمر الكثير . مقولة "الاسلام  هو  الحل "  أصبحت  أداة طيعة يستغلها الاستعمار الجديد والصهيونية والقوى الرجعية بكل صورها لتفريقنا وتمزيقنا كما هو حاصل في العراق ولبنان وكما يُخطط له في أوكار المخابرات الغربية أن يحدث في مصر  . نحن امة عربية واحدة متعددة الأهواء  والألوان والأديان  تربطنا  لغة واحدة  من أجمل لغات البشر ومصير واحد وشيم وأخلاق عربية واعية وسامية وتاريخ عربي  واحد  وحضارة عربية – اسلامية واحدة   بغض النظر عن   العقيدة الدينية لكل واحد منا .  فصل الدين  عن  الدولة  هو الأساس الأول  والصريح والضروري  لخلق  معادلة الثورة كاملة ونقصد ثورة المفاهيم كلها  وليس ثورة الحكم . ثورة المفاهيم  تنقلنا بسرعة من  عصورنا المتخلفة على أجنحة حضارة  عربية  راسخة الى عصرنا هذا  . هذا العصر التقني  الرهيب  الذي اوجد ثورة  المعلومات والثورة التقنية الذكية الرهيبة والثورة الوراثية التي لا بد لنا من  السيطرة عليها كلها  كما فعلت  الشعوب الأخرى مثلا في الصين والهند والبرازيل، التي  أصبحت بقدراتها الاقتصادية والعلمية وحتى العسكرية تحشر الوحش الاستعماري في عقر داره  وتخلق مستقبلا  آمنا وقابلا للبقاء والتطور في  هذا المنعطف الخطير من تاريخ العالم.

 


(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

التقسيم العالمي الجديد الى أين؟!

featured

تقسـيمٌ ومقسَّـم

featured

سياسة مؤسسة وليس سياسة شارون وحده

featured

الموقف من مساواة المرأة نقطة خلاف مركزية بين القيادات العربية

featured

رجال في الثلج

featured

فليحاكَم القتلة المباشرون ومسؤولوهم!

featured

على الحزب ان يستعيد دوره ومكانته وهيبته بين الجماهير

featured

مقاطعة انتخابات الكنيست هي قطع حبل المواطنة