شاحنة الموت على قارعة الطريق السريع بين هنغاريا والنمسا
الحادث المأساوي الذي تم الكشف عنه يوم الخميس27/8، عندما عثرت الشرطة النمساوية على سيارة لنقل لحوم الدواجن المثلجة وتحمل شارة الشركة السلوڤاكية Hyza، وداخلها 71 جثة منها 59 رجلًا و8 نساء و4 أطفال، الذين وفق الوثائق اتضح أنهم من المهاجرين السوريين، قد لقوا حتفهم اختناقًا، بل تجمدت جثثهم داخل صندوق - ثلاجة السيارة، راحوا ضحية عملية ابتزاز من قبل مهربين - بل مجرمين امتهنوا مهنة تهريب المهاجرين (غير الشرعيين وفق التعبير الأوروبي)، وفي هذا الحال برًا.
*محاولة الفرار من جحيم الحرب وطريق الموت*
تم العثور على السيارة على قارعة الطريق السريع الذي يصل ما بين العاصمة الهنغارية بودابست والنمسا، تركها ثلاثة من المهربين المجرمين على ما يبدو بعد أن تأكد لهم اختناق الضحايا.
هذا الحادث المأساوي لمهاجرين سوريين ممن حاولوا الفرار من جحيم الحرب والقتل في وطنهم الأُم، جراء العدوان الذي يتعرض له هذا الوطن الغالي، على شعبه وعلى الشعوب العربية وليس حُكامها ممن يبذرون المليارات من الدولارات بهدف تدمير سوريا الوطن المقاوم، وفي الوقت نفسه لا يصرفون مليار دولار واحد من أجل تغيير الواقع المأساوي الذي تعيشه الشعوب العربية، حيث تنتشر البطالة والفقر والبؤس والقمع والظُلم وفقدان الأمن والأمان في أوطانهم.
*ركوب المخاطر بحرًا وبرًا*
نعم.. فلا يبقى سبيل أمام هؤلاء المواطنين في سوريا وغيرها، سوى الرحيل والهجرة وسط المجازفة وركوب المخاطر بحرًا وبرًا من أجل البحث عن الأمن المعيشي والطمأنينة لهم ومن ثم لعائلاتهم، والخروج من دائرة الخطر والموت، وسط القُبول باحتمال الموت وهم في الطريق للبحث عن بارقة أمل بالعيش في ظرف أفضل.
لكن هذه الهجرة تجري في ظل ظروف قاسية ومخاطر جمّة، ومنها الوقوع في شباك شبكات الاتجار وتهريب البشر من الجشعين والذين يقومون باستغلال ضائقة إنسانية من أجل الربح والاستغلال وسط معرفتهم المُسبقة بأنهم يعَرّضون حياة عائلات وشباب ومُسِنين للخطر واحتمال الغرق في البحر أو الموت بالبر.
* 300 ألف مهاجر و2500 غريق*
نجد في المعطيات الرسمية الصادرة عن المُفَوّضيّة العُليا للاجئين في الأمم المُتَحِدة أنه تم هجرة حوالي 300 ألف مهاجر عبروا البحر المتوسط منذ مطلع العام الحالي 2015 وأن أكثر من 2500 منهم غرقوا في البحر غير الذين فقدوا حياتهم في البر.
*"رجال في الشمس"أم رجال في الثلج؟*
خلال متابعتي لهذه المآسي التي يتعرض لها مهاجرون عُزَّل ممن يبحثون عن فرصة عمل وعن ظروف حياة أفضَل، في بلاد لا تعاني من الفقر والبطالة والظُلْم والقَمع، أتَذّكَّر رواية "رِجَال في الشَّمْس" للكاتب الفلسطيني الشهيد غسَّان كنَفاني، الذي أستشهد في الثامن من شهر تموز العام 1972 عندما قام أفراد من جهاز "الموساد"الإسرائيلي باغتياله عن طريق تفجير سيارته في بيروت، وصرخة "لماذا لم تقرعوا جدار الخزان؟".
عندما أنتشر خبر اختناق المهاجرين السوريين في سيارة شحن - تحمل ثلاجة لنقل لحوم الدجاج كما ذكرت أعلاه، عادت بي الذاكرة من جديد للرواية وصرخت من الألم قائلًا انّها حادثة "رجال في الثلج"، مع تقديم اعتذاري للكاتب غسان كنفاني، لأن أسباب حالة الموت تكاد تكون واحدة مع فرق واحد أن الرواية تتحدث عن اختناق بسبب حرارة شمس الصحراء، وحادثة الضحايا السوريين اختناق بسبب وضعهم في ثلاجة تبريد، تجمدت جثثهم واختنقوا داخلها، وسط فُقدان الضمير الإنساني لدى تُجّار - مُهَرِّبين ممن يمتهنون مهنة الاتجار بأرواح هؤلاء المهاجرين الذين هربوا من جحيم الحرب، بحثًا عن الأمل بالحياة والأمان.
"رجال في الشمس" رواية عبّر من خلالها الكاتب غسان كنفاني عن المعاناة التي عاشها اللاجئ الفلسطيني بعد اقتلاعه من وطنه وقيامه بالمغامرة بحياته من أجل البحث عن لقمة العيش الكريم، حيث ركب المخاطر وجازف بروحه من أجل ذلك الهدف، وسط استغلال بشع لشبكات التهريب من أمثال "أبو الخيزران".
في ظل الواقع العربي المأساوي الذي تعيشه الشعوب العربية، وشعور المواطن العربي بالهزيمة والضياع، نجده يبحث عن الأمل بحياة أفضل راكبًا مراكب الخطر، الأمر الذي يكاد يكون الرؤية السديدة التي تحدث عنها الكاتب غسان كنفاني في روايته هذه، بكلمات أُخرى رؤيته تتحقق ليس فقط في حال اللاجئ الفلسطيني بل وفي حال ومستقبل المواطن العربي عامة، وعُمق المأساة التي يعيشها هذا المواطن في أرجاء الوطن العربي حاليًا.
*صرخة لماذا؟ والصدى الذي رددته صحراء العرب..*
للتذكير ننقل بعض الكلمات التي جاءت في رواية "رجال في الشمس"، والتي ومع تحريف بسيط تكاد تكون نفسها للمهاجرين السوريين الذين اختنقوا أو تجمَّدوا في الشاحنة.
قال الرجل السمين صاحب المكتب:
"إِنَّهَا رِحْلَة صَعبَة، أَقُول لَك، سَتُكَلّفك خمسة عشر دينارًا.
- وَهَل تَضْمَن أَننّا سَنَصِل سالِمين؟
الرجل السمين: طَبعًا ستصِل سالِمًا، ولكن سَتَتعذّب قليلًا، أَنْتَ تَعْرِف، نحن في آب الآن الحر شديد والصحراء مكان بلا ظل.. ولكنك ستصل..."
وعندما حدثت المأساة واختنقوا في الخزان صرخ قائلًا :
"لماذا لَمْ تَدقّوا جِدار الخزّان؟ لماذا لم تقولوا؟ ولماذا... وفجأة بدأت الصحراء كلها تُرَدد الصّدى:
لماذا لم تدقوا جدران الخزان؟ لماذا لم تقرعوا جدران الخزان؟ لماذا؟ لماذا؟ "
وهذا الصدى لقرع جدران ثلاجة الشاحنة، ربمّا رددته أرجاء الطريق ما بين بودابست والنمسا بالصرخات التي صدحت بها أصوات الضحايا من المهاجرين السوريين في طريق الموت... طريق رجال في الثلج.
