أصدرت المحكمة الجنائية الدولية أمس أوامر اعتقال بحق العقيد معمر القذافي وابنه سيف الإسلام ورئيس المخابرات الليبية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، على خلفية التمرّد المسلّح في ليبيا والمدعوم من قوات حلف شمال الأطلسي وبعض النظم العربية الموغلة في التواطؤ والعمالة.
ويكشف هذا الإجراء مجددًا حقيقة ما يجري اليوم في ليبيا وإلى حد كبير في سوريا أيضًا، من حيث التطبيق الانتقائي والمسيّس لمبادئ "حقوق الإنسان" و"الديمقراطية"، بمفهومها الهش السطحي، على مقاس المصالح الاستعمارية. ويكشف حقيقة أنّ القضية الأساسية ليست قضية وجود الديمقراطية من عدمه، بقدر ما هي لعبة مصالح كبيرة تقع ضحيتها الشعوب العربية وتدفع الثمن باهظًا.
فتلك الدول الحسّاسة جدًا لحقوق الإنسان الليبي والسوري لم تكترث ولم تحرّك ساكنًا أمام الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان الفلسطيني أو اللبناني أو العراقي أو الأفغاني. فحقوق الإنسان هذه تملك شفافية غريبة من نوعها حين يُقتل الناس بالأسلحة والطائرات والقنابل الأمريكية والإسرائيلية!
أما الدماء التي أريقت وتراق في غزة وفي الضاحية الجنوبية وفي بغداد والبصرة فلا تستحق مذكّرة اعتقال بتاتًا ولا حتى مجرّد إدانة من أية هيئة أممية، سيما وأنّ سافكيها من أولئك الديمقراطيين جدًا، والمشهود لهم برهافة حسّهم لحقوق الشعوب وكراماتها، من بوش وبلير إلى رايس وتشيني وانتهاءً بالرئيس الأمريكي الحالي باراك أوباما الذي أشبع الشعبين العراقي والأفغاني ديمقراطية وحقوقًا!
إنّ على الجميع، وعلى اليساريين والشيوعيين أولا، أن يحذروا من الوقوع في هذا الشرك الخبيث، الانتقائي، القذر، الرامي إلى تبرير بسط الهيمنة الإمبريالية، بأدوات مباشرة حينًا وأخرى "محلية-وطنية" أحيانًا، على الشعوب ومقدّراتها. ومن يريد الدفاع حقًا عن حقوق الإنسان فليبدأ بإدانة مجرمي الحرب الأمريكيين والإسرائيليين أولا. أما غير ذلك فلا يقع إلا في خانة العهر أو الدجل أو السذاجة.
