سياسات إخوانية

single

لا أحد ينكر على حركة الإخوان المسلمين ، قدرتها على المناورة ، بما يوازي حجمها ، وبقدر إستطاعتها على التنظيم والحشد ، فهي التنظيم الأقدم تاريخياً ، تم ترخيصها في عهد جلوب باشا والمعاهدة الأردنية البريطانية ، وهي الأقوى حزبياً وجماهيرياً ونقابياً ، بسبب إستفادتها من التسهيلات التي قدمتها لها الحكومات الأردنية المتعاقبة ، طوال العهد العرفي منذ عام 1957 حتى العام 1989 ، حتى باتت الأقوى والأكثر فعالية ، مقارنة مع الأحزاب الوطنية حديثة التكوين ( حزب التيار الوطني وحزب الجبهة الأردنية وحزب الرسالة ) ، ومع الأحزاب القومية واليسارية التي عانت من التضييق والملاحقة في العهد العرفي ، وتعرضت للإنحسار والتراجع بسبب نتائج الحرب الباردة وتأثيرها على الأحزاب اليسارية والقومية بسبب هزيمة الشيوعية والإشتراكية والإتحاد السوفيتي .

عاشت حركة الإخوان المسلمين أياماً وردية في ظل الراحل المرحوم الملك حسين ، فقد كانوا وحدهم منفردين مصرح لهم بالعمل علناً ، فجنوا المال والوظائف والمنابر ، أهلتهم ليكون لهم دور القيادة في الحركة السياسية الأردنية ، قبل أن تسعى دوائر القرار ، العمل على تحجيم دورهم ، والتقليل من نفوذهم ، وحركة الإخوان المسلمين ، ليست قوية في الأردن ، وحسب ، بل هي إمتداد لأكبر وأهم حركة سياسية عربية عابرة للحدود ، إستفادت من مرحلة الحرب الباردة وتحالفها مع المعسكر الأميركي الذي إنتصر في تلك الحرب ، في مواجهة السوفييت والمعسكر الإشتراكي وحلفائه من القوميين العرب الذين هُزموا  ، وإنحسر دورهم ، كما تحالفت مع العديد من أطراف النظام العربي وفي طليعتهم المملكة العربية السعودية ، التي وفرت لهم الدعم المالي والسياسي قبل أن ينقلوا تحالفهم للعمل مع الأمارة القطرية التي وفرت لهم شاشة الجزيرة وقوتها الإعلامية والمالية على حساب الرياض ، التي إعتقلت أمين سر الحركة السابق المهندس خالد حسنين في جدة قبل أسابيع ، كما تحالفت مع السادات والنميري ، وغيرهما ، مما وفر لها أرضية من التحرك ونفوذاً عابراً للحدود ، أهلها لأن تحتل الموقع الأول على مستوى الأحزاب السياسية في العالم العربي .

خلال الأيام القليلة الماضية ، برز دور الإخوان المسلمين جلياً في بلادنا ، وإستأثرت تحركاتهم ومواقفهم بإهتمام المراقبين وأجهزة الإعلام ، وتركت العديد من التساؤلات بسبب السياسات المتناقضة التي تمارسها والشعارات التي ترفعها ، فقد رفعت شعاراً لإسقاط حكومة سمير الرفاعي ، ورفضت الحوار مع رئيس مجلس النواب ، كما رفضت المشاركة في جلسات الإستماع والحوار مع اللجنة القانونية في البرلمان بهدف صياغة قانون إنتخاب جديد ، وإتخذت هذه المواقف المعلنة ضد الحكومة وضد مجلس النواب ، بمعزل عن قوى المعارضة اليسارية والقومية التي إلتزمت بمبدأ الحوار وشاركت فيه سواء مع حكومة سمير الرفاعي أو مع مجلس النواب .

ومع ذلك فوجئت الأوساط السياسية والإعلامية الأردنية بلقاء حركة الإخوان المسلمين مع رئيس الحكومة سمير الرفاعي يوم الأحد 30/1/2011 ، وسلموه مذكرة تتضمن رؤيتهم لمعالجة الإختلالات الإقتصادية ووضع تصوراتهم لعملية الإصلاح السياسي المطلوبة ، وتم ذلك من خلف ظهر قوى المعارضة وبدون التنسيق معها ، وبمعزل حتى عن حليفهم حزب الوحدة الشعبية ، مما دفع أحد القيادات القومية البارزة لأن يصفهم على " إنهم نموذجاً صارخاً للإنتهازية السياسية " .

وفي رده على سؤال لصحيفة الغد حول مفارقة إلتقاء الإخوان المسلمين مع رئيس الحكومة ، سمير الرفاعي ، مع إنهم طالبوا خلال مؤتمر صحفي سابق بإقالتها قال حمزة منصور أمين عام حزب العمل الإسلامي " ليست مفارقة لأن الحزب طالما فتح أبوابه للحوار ، كما أن مطالبنا المعلنة قدمناها للحكومة بكل وضوح " وأكد منصور " إن الإخوان المسلمين في الأردن دعاة إصلاح ، وليسوا دعاة تغيير شامل ، كما يحدث في مصر ، لفروق كبيرة بين الأوضاع في البلدين ، فنحن نُقر بشرعية النظام ، وما نريده هو إصلاحات سياسية وحكومات منتخبة " .

وليس هذا وحسب ، فقد رفعوا شعاراً طالبوا فيه رئيس الوزراء المكلف معروف البخيت ، تقديم الإعتذار لجلالة الملك ، عن تشكيل الحكومة وإفساح المجال لشخصية مقبولة تقود البلاد إلى الإصلاح المشود ، وأعلنوا في تصريح أصدره حزب جبهة العمل الإسلامي يوم الثلاثاء 1/2/2011 ، " إن هذا الإختيار لا يقود إلى الإصلاح المشود " وقالوا في البيان " للرئيس المكلف تاريخ مجرب في تزوير الإنتخابات البلدية والنيابية بشكل فاضح عام 2007 ، والتي إنتهت بحل ذلك المجلس قبل إنتهاء مدته ، ومسؤوليته عن قضايا فساد وفي مقدمتها قضية كازينو البحر الميت ، مما يجعله خياراً لا يُلبي  طموحات الشعب الأردني " .

ومع ذلك تجاوبوا مع دعوة الرئيس المكلف البخيت ، والتقوه منفردين ، بمعزل أيضاً عن التنسيق والتفاهم مع الأحزاب السياسية المعارضة ، مما أفقدهم جزءاً من مصداقيتهم أمام المراقبين ، وأمام قوى المعارضة ، بما فيهم حزب الوحدة الشعبية ، الذي نقل عن أحد أعضاء لجنته المركزية قوله " إن مصداقية الإخوان المسلمين تتأكل ، ويتوهموا إذا إعتقدوا أنهم يخدعوننا " .

لا يستطيع ، أصحاب القرار ، في الأردن وفي العديد من البلدان العربية تجاهل دورهم ونفوذهم السياسي والإعلامي والنقابي ، حتى ولو غابوا عن البرلمان ، كما حصل في الأردن ومصر ، فالغياب لحركة الإخوان المسلمين عن المؤسسة التشريعية المنتخبة لا يعود لإنحسار وتراجع دورهم ومكانتهم الجماهيرية ، بل بسبب عدم نزاهة الإنتخاب ولقرار سياسي رسمي يتوسل إبعادهم عن مؤسسات صنع القرار ، ويبدو واضحاً أن هذه الرغبة من قبل أصحاب القرار تصطدم بالواقع الذي يتكرس لصالحهم ، ويعزز من دورهم القيادي .

لقد إستفاد الإخوان المسلمين من ثورتي تونس ومصر الشعبيتين ، وبوادر جني ثمار صمودهم ونفوذهم ستعطي  نتائجه المباشرة في أن يكونوا شركاء أساسيين في أغلبية البلدان العربية التي تحالفت أنظمتها معهم طوال الحرب الباردة ، وتلك التي إعتمدت عليهم لمواجهة التيارات الوطنية الليبرالية والقومية واليسارية .


h.faraneh@yahoo.com
9/2/2011- الأربعاء

قد يهمّكم أيضا..
featured

ويل لنا أيها الشيخ؟

featured

المسكوت عنه في مشكلة الجدار

featured

لتسقطْ حكومة الاحتيال

featured

التفسير العلمي للأحاديث النبوية - إساءة للحديث وليس تصديقًا له

featured

أمريكا اللاتينية نحو التنمية والتحرر

featured

زعامة وسياسة الاتحاد الاوروبي هي المشكلة

featured

اجتماع باريس وحل الدولة/ تين

featured

الشيخ جرّاح لأهله يا محكمة "العدل"!