المسكوت عنه في مشكلة الجدار

single

البديل عن الأنفاق هو فك الحصار وفتح المعابر ووضع دولة الاحتلال أمام مسؤوليتها

* إسرائيل هي من يريد ربط قطاع غزة بمصر وتثبيت فصله عن الضفة الغربية وعن مشروع الدولة الفلسطينية *

طغت مسألة الجدار الذي تقيمه مصر على امتداد حدودها مع قطاع غزة على عناصر الصراع الأخرى، بل اصبح الجدار المصري في الخطاب الإعلامي والسياسي هو الجوهر وما عدا ذلك ليس بالمهم. الانقسام بين مؤيد ومتفهم لإقامة الجدار وبين رافض وساخط هو ما يحدث الآن. وهنا ترجح كفة الرافضين للجدار، ومن الطبيعي ان ترجح الكفة في عالم يرفض الاحتلال والحصار والجدران ومعها العقوبات الجماعية.
التصويت على قبول او رفض الجدار لا يجيب على السؤال، لماذا؟ لماذا تتحول قضية انهاء الاحتلال وإقامة دولة فلسطينية الى شيء ثانوي؟ لماذا لا يتم خوض المعركة ضد استمرار الاستيطان وخططه التي تقوض مقومات الدولة الفلسطينية وتعد العدة لتوجيه ضربة قاضية لها؟ ولماذا لا يتم خوض معركة سياسية ضد تعميق السيطرة الامنية الاسرائيلية من النهر الى البحر لجعل سيادة إسرائيلية واحدة طاردة لأي نوع من السيادة الفلسطينية؟ لماذا تحاول الولايات المتحدة تسويق حكومة نتنياهو التي تستفز العالم بأطماعها الكولونيالية السافرة في الأرض الفلسطينية، وتؤكد علاقتها الخاصة في سياق حفاظها على مشروعها الاستعماري؟
تحويل مشكلة الجدار المصري الفرعية الى مشكلة أساسية، والدخول في سجال ديني بعضه يحرم والبعض الآخر يحلل، هو أخطر ما في الامر. كما ان تحويل قضية شعب مصمم على الخلاص من الاحتلال الى قضية إنسانية وتضامنية معزولة عن جوهرها الوطني، فعل يقلب الاولويات ويشكل نقيضًا للمشروع الوطني.
معركة الشعب الفلسطيني هي الآن اكثر من أي وقت مضى مع الاحتلال والاستيطان الكولونيالي، فالآن وفي غضون العامين القادمين يتقرر مصير حل الدولة الفلسطينية. في هذه الفترة الزمنية المحدودة تتقرر نتائج نضال اربعة عقود مليئة بالتضحيات والخسائر الفادحة. الان ليس من مصلحتنا فتح معارك جانبية مع بعضنا البعض ومع اية دولة عربية وصديقة او نصف صديقة. هناك استفزازات عديدة قد يجد فيها البعض مبررًا لفتح معركة، ولكن الأسباب التي تحمل الجميع على التحمل اكبر وأهم وأكثر إقناعًا من كل استفزاز وظلم. لاننا منشغلون او من المفترض ان نكون منشغلين في تقرير مصيرنا. منشغلون في بناء وإصلاح البيت الفلسطيني وفي ترميم علاقاتنا وفي إعادة بناء تحالفاتنا. هذا إذا انطلقنا من حقيقة ان الامكانية الواقعية الفعلية الوحيدة لانهاء الاحتلال الاسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية تعتمد على انخراط الشعب الفلسطيني برمته في النضال، وعلى دعم المجتمع الدولي والإفادة من العلاقات الدولية القائمة وعلى احتمالات تحسنها. فلا يوجد استراتيجية تقول عكس ذلك، اللهم إلا إذا اعتمدنا استراتيجية الحتمية الدينية التي يتبناها الاسلام السياسي، أو استراتيجية انتظار التحول الذي تقوده ايران، أو استراتيجية "مدافع قطر الثلاثة". استراتيجيات خارجة عن الفعل الرسمي والشعبي، وهي قائمة على الانتظار. ونحن شعب ملّ استراتيجية الانتظار منذ عام 1967 وهو يرفض الانتظار. لا نستطيع العيش دون حل، لان غياب الحل يعني استمرار الوضع الراهن، يعني استمرار صنع الحقائق والتحولات على الأرض، واستمرار تفكيك بنية المجتمع ومقومات صيرورته الكيانية. سياسة الممانعة في الواقع الفلسطيني هي الوجه الآخر لسياسة دوام الوضع الراهن الاسرائيلية التي طرحها موشي ديان منذ العام الاول للاحتلال، وسارت على خطاها حكومات اسرائيل المتعاقبة حتى الآن.
ما كان ينبغي فتح الصراع الداخلي بهذه الطريقة الدموية، كان يستطيع الطرف الذي نال تفويضًا من الشعب ان يترك بصماته على القرار ويقود عملية تحول ديمقراطية بطيئة ومتعاظمة. ويحافظ على وحدة الضفة والقطاع، ويأخذ بالاعتبار العلاقات الدولية والاقليمية وكل تحول للأسوأ وللأحسن يحدث، وكل تبدل يحدث في المزاج الشعبي.
لم تتوقف حماس عند الهدف الاسرائيلي الرامي الى فصل الضفة عن القطاع وفصل الضفة والقطاع عن القدس، وذلك حين جاء انقلابها العسكري ليكرس عملية الفصل، ولم تتوقف حماس عند مشروع إذابة قطاع غزة في مصر وربط أجزاء من الضفة الغربية في الاردن، والاستعاضة عن حل الدولة الفلسطينية بذلك الحل الإقليمي عبر مصر والاردن.
لا يمكن النظر لما يجري على الحدود المصرية الفلسطينية طوال الأعوام الثلاثة الماضية بمعزل عن الهدف الإسرائيلي المتمثل في توجيه قطاع غزة نحو مصر وتثبيت فصله عن الضفة الغربية وعن مشروع الدولة الفلسطينية. وهذا لا يعني إغفال أهداف أميركية وإسرائيلية غير معلنة للجدار المصري من نوع قطع الطريق على استخدام قطاع غزة كجبهة -حتى لو كانت محدودة التأثير- ضد إسرائيل في حالة اندلاع حرب بين ايران وإسرائيل.
كما توجد أهداف خاصة لمصر من نوع قطع الطريق على تكريس سلطة حماس الإسلامية وتحولها الى إمارة إسلامية تكون قاعدة ارتكاز للإخوان المسلمين المرشحين الأقوى لاستلام السلطة في مصر في حالة حدوث انفجارات شعبية، الاسباب الخاصة لمصر والأهداف المشتركة لأميركا وإسرائيل مع مصر، لا يبرر فتح الشعب الفلسطيني معركة مع مصر. ذلك ان موقع مصر في معركة الشعب الفلسطيني من اجل الدولة وانهاء الاحتلال والحصار لم يتحول الى نقيضه. فالبديل عن إمارة حماس هو استعادة الوحدة والاحتكام للشعب في انتخابات جديدة والنضال من أجل دولة فلسطينية، والبديل عن استخدام قطاع غزة كورقة ضغط في معركة إيران، هو الحفاظ على تحالف الشعب الفلسطيني مع المجتمع الدولي ومع العالمين الإسلامي والعربي من أجل الخلاص من الاحتلال. والبديل عن الانفاق ومصالح الطبقة الجديدة التي تمتص دماء أبناء القطاع هو فك الحصار وفتح المعابر ووضع دولة الاحتلال أمام مسؤوليتها عن جرائم الحصار والحرب. كل هذه البدائل التي تستجيب للمصلحة الوطنية الفلسطينية العليا سنجد لمصر دورًا وموقعًا مهمًا الى جانب الشعب الفلسطيني.
المعركة ضد مصر على خلفية الأهداف الفئوية تلحق ضررا جسيما بالقضية الفلسطينية، وتصرف الأنظار والاهتمام عن جوهر الصراع.

 

• صحافي فلسطيني ("الأيام")

قد يهمّكم أيضا..
featured

ندائي للأصدقاء قبل الرفاق

featured

كل عام وانتم بخير!

featured

من اجل استنهاض الجهود لتوحيد الشيوعيين العراقيين

featured

لإسقاط حكومة الكوارث

featured

صمت بيبي ونطق بوجي

featured

سياسة "الزيغ زاغ" لحكومات اسرائيل وسياسة الرايح جاي ليشرب القهوة والشاي ما هي الا ليبقى الحال على ما هو عليه

featured

لبنان يواجه محراك شر التدخل الاسرائيلي – الامريكي في شأنه الداخلي!