طبخة بكرة

single
السؤال المربك والأكثر تسببًا للضيق والشعور بالعجز وحالة الملل، هو السؤال البريء: "شو بدنا نطبخ بكرة؟" كم سيصبح العالم سعيدًا بدون هم "طبخة بكرة".
يتم تجريب كل الطرق للخروج من هذا الروتين القاتل، مثل إعداد لائحة بعشرين طبخة على أساس أنه ما أن تنتهي من إعداد الطبخة الأخيرة في اللائحة، حتى تكون قد اشتقت إلى الطبخة الأولى، ولكن سريعا ما تسقط هذه الإستراتيجية سقوطا مدويا.. فبعد طبخة، أو اثنتين، يأتي فرد من الأسرة، أبصر مين مسلطو عليك، ليقول "جاي على بالي ملوخية"، "بس حسب اللائحة، بعد ست طبخات للملوخية". أبدا.. بس ملوخية، لأن "الطبخة اللي طابخينها بتقرّف"، يقول لك ويدير ظهره، "هيك لكان.. صارت المغربية تقرّف يا ابن الهيك والهيك؟"
شغلة متعبة.. شغلة الطبخ هذه! فبالإضافة إلى الحَيرة اليومية في اختيار الطبخة، فعملية تحضير الغداء شأن شاق يحتاج لوقت جدي، على الأقل ساعة قبل الغداء، وهنالك وقت لا بأس به بعد الغذاء، من أجل ترتيب وتنظيف المائدة، ناهيك عن الجلي، الذي إذا بقي لديك أو لدى زوجتك ما يكفي من القوة، يحتاج إلى نصف ساعة على الأقل.
حوالي الساعتين كل يوم، من أجل هذا الواجب الحياتي، وقبل أن يتبدد غبار معركة الغداء، حتى يكون العشاء واقفا على الباب، وبالطبع لا تنسوا الفطور. ساعة في ظهر ساعة، فلا تتخلص من هَم حتى يفز لك هم آخر.. وقبل كم من السنين انتبه ابني، وكان مازال آنذاك في الروضة، لهذا الروتين الممض فقال ونحن نقلّه صباحا للروضة، "شو هالحياة: فيق، إفطر، روضة، بيت، إلعب، نام". 
والدليل أن الحياة روتينية، بدورتها المملة، هو أننا نستعجل المسيرة؛ "كلها أكم سنة وبتخلص المشكنتا"، "كلها خمس سنين وبصير ابنك دكتور"، "كلها سنة وبخلص قسط السيارة".. وعلى هذا المنوال، لمن لم ينتبه، يمكن القول: "كلها أكم سنة وبتخلص الحياة". قليلون هم من يعيشون الدنيا بالعرض ويتمتعون بالحاضر.
أما لذة الوصول فهي قصيرة جدا، فبعد القمة تشعر أنك على أرض مستوية، وأنك، من جديد، بصدد الصعود إلى قمة جديدة: بعد التخرج من المدرسة الثانوية، تأتي مسيرة الجامعة وبعد التخرج تأتي مسيرة إيجاد العمل، وبعد العمل يأتي الزواج ثم العمار ثم الإنجاب، وبعد ذلك تبدأ الدورة من جديد، وتكون في موقع جديد، تراقب الآخرين في دورتهم.
تصوروا فيلما من دقيقتين يصور حياتنا: ولادة، رضيع يبتسم، ثم طفل بثيابه الجديدة يرتاد الروضة، ثم التعليم الابتدائي، الثانوي، الجامعة، العمل، الأولاد، بينما ملامح الكبر تبدأ بالزحف على الوجوه، وصولا للشيخوخة؛ وجوه آخذة في الذبول، مقابل وجوه في أوج صعودها؛ الصعود مقابل الهبوط، وخلال الهبوط، هنالك من يخرج من الدائرة، وهنالك من يستمر، شارعًا بمحاولاته اليائسة لاستعادة شيء من ماضيه أو على الأقل لتأخير الزحف الوحشي القادم إليه.
بدأنا بطبخة بكرة فانتهينا ببعض التشاؤم. ولكن ذلك أفضل من أن نتحدث عن أشياء أخرى. لأنه لا أطيب من طبخة بكرة، فأجمل الطبخات، تلك التي لم نعدّها بعد، ومعذرة، وتحية، لناظم حكمت الذي تحدث عن أجمل البحار، تلك التي لم نُبحر إليها بعد.
قد يهمّكم أيضا..
featured

لا بدّ من أن ترحلوا

featured

كلمة الحق يجب ان تقال

featured

لا للتفاوُض بظلّ الاستيطان

featured

في انتظار رئيسة

featured

أين العرب... يا عرب

featured

اعتراف مطعون.!

featured

لا شرعية للجامعة الاستيطانية