اعتراف مطعون.!

single

تفجّر كل ما خزنته السنون مرة واحدة..
مخزون عشرات من السنين اندفع من قمقمه كالبركان..
اندمل في أعماقنا، وأوشك ان يدفن معنا تحت التراب..
ولكنه مكتوب على تراب صبارين.. هضابها وديانها سمائها..وذاكرتنا..
زوجتي قالت لي، وهي تغسل الصحون في المجلى:
اتصلت أم جمال.. وطلبت أن تساعد ابنها، لتحضيره لامتحان التوجيهي باللغة الانجليزية.!".
حاولت بفشل أن تجعل صوتها عاديًا.. وتخفي مشاعرها التي تستتر وراءه..
وكم كانت دهشتها،عندما أجبتها باقتضاب، حاولت لجمه، ليكون عاديًا روتينيًا :
"بقدر ييجي..! "
"مثله مثل الناس..!" أضفت كي أفهمها، أنني أعي ما أقول.!
 فسكتت دافنة نار دهشتها..وغليان استغرابها..
عملت معلمًا للغة الإنجليزية، مدة تزيد عن أربعة عقود، وبعد تقاعدي، أشغلت وقتي في تدريس دروس خصوصية للطلاب. فيها إشغال أوقات فراغي، وبعض الأجر، يضاف الى معاشي من التقاعد.
وأم جلال هي زوجة سالم الصبريني..سالم الموسى..!
أنا وهو أصلنا من صبارين..!
رمتنا النكبة منها الى عرعرة.. فعشنا بها لاجئين..
في حارة واحدة..
ولكن في عالمين مختلفين، كل منا عاش في عالمه الخاص.. أكمل ما كان قد بدأه في صبارين.
لاحظت ان ابنه لا يكترث بماضي أبيه وأجداده في صبارين، حاولت ان أستدرجه الى حديث عنها.. ولكنه أظهر جهلا وعدم اكتراث، فتركته.
 وجاءت زيارة أبيه المفاجئة، بعد ان أنهيت من إعطائه المواد اللازمة للامتحان.
طرق باب بيتنا، وجلس على الكرسي المقابل.. تبادلنا جمل التحيات الرسمية.. عن الأولاد..وأحوال الطقس وزحمة المرور..
ولما انتهينا منها.. لاحظت انه يبعد عينيه عن مرمى عيني، كان يصوبهما نحو الأرض!
وبعد لحظات صمت ثقيلة..قال دون ان يرفع عينيه عن الأرض :
" قدّيش بكلفنا دروس تامر..!؟".
قال وهو يمدُّ يده الى جيبه..
" هذول هديَّة مني لتامر..! " رددت وكأن الأمر عادي..
" لا.. لا.. مش ممكن..! "
ردَّ بعصبية، بعد ان أفاق من الصدمة التي فاجأته، ولم يكن حاضرًا لها..
"مش إحنا أولاد بلد.!؟" قلت وأنا مستمر في المحافظة على لهجة حديثي العادية.
وعرف أني أعني صبارين..
 لاحظت ذلك من اختطاف، وجهه من قبل تقلبات موجات من المتضاربة الألوان!
سكت سكوت ما قبل العاصفة..وانفجر كالبركان :
"بتعرف مين منع عن ابنتك الوظيفة.!؟
أنا.!
مين سبب سجن ابنك سامي، بعد يوم الأرض!؟
أنا.!
مين سبب توقيف، إكمال بناء بيت ابنك في أرضكم.!؟
أنا.!
مين..
كفى..! كفى..! صرخت به..
قم من مكانك، واخرج من بيتي..لا أريد أن أرى وجهك بعد الآن..!
عرفت لماذا اختارني لأُدرِّس ابنه..!
جاء ليضع نفسه في قفص الاعتراف..ليطلب المغفرة منّي ومن نفسه.!
جاء ليعترف، أنه ظلَّ عميلًا لهم، واستمرَّ بملاحقتنا - أنا وعائلتي – حتى في الغربة والشتات.!
وعرفت بعد ذلك انه يعاني من مرض عضال.. أكد له الأطباء انه لن يمهله طويلًا..
وخرج..
وعاد إليَّ شريط ماضينا في صبّارين..
 الصورة الأولى كانت.. عندما كان واقفًا بجانب ابيه بصحبة اثنين من الصهاينة..
كان أبي يصرخ في وجوههم :"لن أبيع.! لن أترك هذه البلد.!"
كنت واقفًا مثله بجانب أبي..أنظر إليهم، باحثًا عن رقابهم، كي أخنقهم!
كنا أنا وهو في العاشرة من أعمارنا.. يجمعنا صف واحد..
ولكن هوَّة سحيقة كانت تفصل بيننا..
كان ابن اقطاعي، ينعم في ترف من العيش..أما أنا فابن فلاح بسيط،لا يملك من الأرض، إلا بضع دونمات، لا يكاد توفر له لقمة العيش..
 والصورة الثانية التي جمعتنا معًا..
مرور سيارة الشحن المكشوفة، التي كانت تقلنا، لترمينا خارج البلد..
كان يقف أمام بيتهم ويحدق بشماتة باتجاهنا..
 والصورة الثالثة..
 عندما رمتهم نفس السيارة، في مخيّم الفريديس، تمهيدا لتهجيرنا الى بلاد الشتات.
لم انظر إليهم،عندما نزلوا هو وعائلته، بشماتة وتشفّ..
بل تأكدت، من مقدار الهمجيّة التي وصلت إليها العصابات الصهيونية، في تهجير وطرد العرب، من بيوتهم في وطنهم. حتى أنهم لم يرحموا المتعاونين معهم.!!
(عرعرة)
قد يهمّكم أيضا..
featured

اسرائيل والاستيطان

featured

وقاحة وزارية تصل الى هاوية الزعرنة !

featured

شرشف الشرف المنشور على حبال المجتمع

featured

عن أي عالم اسلامي يجري الحديث طلبًا للاغاثة؟!

featured

النخبة السعودية الحاكمة ترقص على فوهة بركان

featured

ماذا بعد أن دارت عجلة المفاوضات

featured

هذا تضليل منهجي يا بنيامين نتنياهو!