فازت السّيّدة ميشل باتشلط برئاسة جمهوريّة تشيلي بعد أن حصلت على 62% من أصوات النّاخبين وتغلّبت على منافستها افلين ماتيي. قد يكون الخبر عاديّا لولا المفارقة التي صاحبته فالمتنافستان كانتا جارتيّ طفولة ولعبتا معا في ساحة واحدة، وهما ابنتا جنرالين، وحينما انقلب العسكر على الزعيم اليساريّ أليندي في العام 1973 وحكم البلاد الجنرال الفاشيّ بينوشيه صار الجنرالان خصمين لدودين واعتقل العسكر والد ميشل وعذّبه عندئذ والد افلين في الزّنزانة حتّى الموت. وعلى الرّغم من هذه المأساة حافظت الفتاتان على علاقة الصّداقة بينهما.
والسّيّدة ميشل هي واحدة من ست رئيسات في أمريكا الجنوبيّة فهناك ديلما روسف رئيسة البرازيل، وكريستينا كيرشنر رئيسة الأرجنتين، ولورا تشيتشينا رئيسة كوستا ريكا وهناك أيضا رئيسة جمايكا ورئيسة ترينداد طوبغو. وفي العالم رئيسات أخريات، ففي أوروبا ست رئيسات في كلّ من ألمانيا والدّنمارك والنّرويج وكوسوفو وليطا وسلوفينيا، وهناك ثلاث رئيسات في آسيا في كلّ من بنغلادش وتايلاند وكوريا الجنوبيّة، وفي القارّة السّمراء ثلاث رئيسات أيضا في السّنغال وليبيريا ومالوي وهذا يعني أنّ في عالمنا 18 رئيسة جمهوريّة ويعني أيضا أنّ 9% من رؤساء دول العالم سيّدات وهو عدد قليل نسبيّا وإن كان يبشّر بالمساواة الآتية.
ارتكب الملوك والرّؤساء على مرّ التّاريخ جرائم جسديّة واقتصاديّة واجتماعيّة منذ الاسكندر حتّى جورج بوش الابن، ومنذ نبوخذنصّر حتّى صدّام والمالكيّ والقذافيّ، ومنذ الفرعون الأكبر حتّى مبارك ومرسي، وتلطّخ تاريخهم بالدّمّ والقتل والدّمار وسحق الشّعوب. وكان القادة ذكورا، وإذا حدث وظهرت ملكة هنا ورئيسة هناك فهذا استثناء، كما كان الحكّام المجرمون ذكورا أيضا مثل هولاكو والحجّاج ونابليون وهتلر، ولم يعرف التّاريخ على حدّ علمي امرأة حاكمة واحدة ارتكبت المجازر.
حكم عالمنا العربيّ رجال منذ الخلفاء الرّاشدين حتّى اليوم، وفي القرن العشرين جلس على سدّة الحكم ملوك وجنرالات ولم يعرف عالمنا العربيّ الانتخابات الديمقراطيّة اللهم إلا الانتخابات التي جرت في السلطة الفلسطينيّة ولم نعرف امرأة واحدة نافست ولو منافسة وهميّة على رئاسة دولة عربيّة باستثناء السّيّدة المرحومة سميحة خليل التي نافست الرّئيس الشّهيد ياسر عرفات، وكيف تبرز امرأة تطمح بالرّئاسة في ظلّ أنظمة قمعيّة استبداديّة لا تحترم المرأة ولا تعترف بقدراتها؟ وكيف تختار دولة امرأة لقيادتها وهي تمنعها من قيادة سيّارة؟ وكيف يسمح شعب لامرأة أن تترأسه في حين يعتقد كثيرون من رجاله أنّ المرأة لا تخرج من بيتها في حياتها إلا مرّتين: المرّة الأولى إلى بيت الزّوج والمرّة الثّانية إلى القبر؟ وكيف يسمح لها أن تصير رئيسة ولا يسمح لها بالخروج من البيت بدون مرافقة محرم؟
جرّب الشعب العربيّ الملوك والرّؤساء والأمراء والسّلاطين والجنرالات والمشير والمهيب والمارشال وملك الملوك وأبناءهم وأحفادهم فجلبوا الويلات والتخلّف للشّعوب ولم يجرّب امرأة واحدة تصل إلى كرسيّ الحكم بانتخابات ديمقراطيّة وتهتّم بالتّعليم وبالصّحة وبالثّقافة وبالاقتصاد.... وبالإنسان.
