يقال إنه عندما طُلب من أحد الحاضرين أن يُغلق النافذة لأن الطقس بارد في الخارج، علق البروفيسور الفيلسوف يشعياهو لايبوفيتش، "وهل إذا أغلقنا النافذة سيُصبح الطقس دافئًا في الخارج؟".
أحيانًا تتملكني التداعيات فلا تتوقف إلا بعد أن تأخذني شوطا بعيدا.. وهنالك حكاية تتحدث عن معلمة طلبت من تلميذها، ابن العائلة الثرية أن يكتب موضوعا في الإنشاء حول عائلة فقيرة، فما كان من ابن العز إلا أن كتب: "كانت هنالك عائلة فقيرة، سائق سيارة العائلة فقير، جنائني العائلة فقير، خدامة العائلة فقيرة، كل العائلة فقيرة".
وفي معارك الانتخابات كان يأتينا أحدهم بتقييماته، فإذا كانت تقييماته متفائلة، كنا نقول انه بالضرورة قد تحدث مع فلان المتفائل قبل أن يأتي إلينا، وإذا كانت تقييماته متشائمة، كنا نقول لا شك ان علان المتشائم قد صادفه في الطريق. ومن عالم الأمومة نلحظ أنه حينما تشعر الأم بالدفء تعتقد أن ابنها الرضيع يشعر كذلك، وإذا شعرت بالبرد، فلا تترك غطاء في البيت إلا وألقته عليه.
وانتهت التداعيات لدي عند أولئك الذين يبحثون عن قطعة النقد المفقودة، ليس حيث سقطت، بل بعيدا تحت الضوء، لماذا؟ لأن هنالك حيث سقطت قطعة النقد لا يوجد ضوء.
ما دمنا نشعر بالدفء فسيسودنا الاعتقاد أن الناس كلها تشعر بالدفء، كما هو حال ابن العائلة الغنية الذي لا يستطيع تخيل بيت بدون سائق أو جنائني، وإذا كان الرأي العام لدينا، أو ما أطلقنا عليه في ما مضى من زمن، نبض الجماهير، هو ما تفوه به آخر شخص التقينا في الشارع العام، آنذاك لا محالة سنقع في الخطأ وأحيانا سيكون الخطأ فادحًا، فلا يكفي أن نصلح البيت لكي نقرر أن المجتمع قد أُصلح، ومن يغرق في المقاعد الوثيرة، قد يكتشف متأخرا أن الرياح "الدافئة" التي تهب عليه، ما هي إلا "نسائم" حرائق آتية علينا جميعا.
أكتب هذه الملاحظات، لأن هنالك، في كثير من الأحيان، هروبا جماعيا، نحو المريح الذي يوافق ما اعتدنا أن نفكر فيه، وحتى لو كانت المنطقة الهاربين إليها قطعة من وهم، خارجة عن حدود الحقيقة، فسنلتصق بها، لأنها وإن كانت وهما فهي دافئة، وإن كانت عاقرة فهي مضاءة.. وكلما خبط الواقع بيديه الثقيلتين على أبوابنا الموصدة نزداد التصاقًا بعالم الظلال الذي هربنا إليه حتى تكون الواقعة.
