لا يمكن، بل ولا يعقل، النظر إلى الجريمة البشعة التي اقتُرفت في مدينة الإسكندرية بجوار إحدى الكنائس وراح ضحيتها أكثر من عشرين مواطنًا مصريًا من الأقباط، نهاية الأسبوع الفائت، على أنها مجرّد اعتداء إجرامي جديد يستهدف فئة أو طائفة معيّنة، كما قد يبدو للوهلة الأولى.
لقد بات واضحًا أنّ هناك جهات وضعت لها هدفًا تأجيج حروب طائفية مفتعلة في الدول العربية؛ في العراق والسودان ولبنان ومصر وغيرها. لكن السؤال الحقيقي ليس عن الآلية أو الهدف الآني لهذه الأعمال الإرهابية المُدانة، الغريبة عن تاريخ المنطقة وتراثها، بل عن الهدف المبيّت من وراء إشعال فتيل الطائفية والمذهبية والإثنية في العالم العربي؟
من هو المستفيد الحقيقي من هذه الجرائم؟
إنّ أصحاب المصلحة الوحيدين من مثل هذه الأحداث الدموية هم أعداء الشعوب العربية، ووكلاؤهم وعملاؤهم، وكل من يلتقي ويتكامل معهم. ومن دون التقليل من شأن الجهات والعوامل الذاتية المدسوسة أو المضلـَّلة، فيجب ألا ننسى أنّ المستفيد الأساسي من تمزيق النسيج الاجتماعي والوحدة الوطنية للشعوب العربية هو نظام الهيمنة الامبريالي وتوابعه في المنطقة، سواء أكان هو الضالع مباشرةً في هذه الجرائم، أو من خلال عكاكيز رجعية تتاجر بالدين لتحقيق مآرب سياسية رخيصة.
إنّ استهداف كنيسة في مصر أو حسينية في العراق أو رمز في لبنان هو جزء من سيناريو خبيث محبوك ببراعة إجرامية، مفاده أنّ الصراع في المنطقة هو "صراع ديني وحضاري"، وليس صراعًا سياسيًا وطبقيًا في جوهره، بين شعوب محتلة ومضطهدة من جهة وجيوش غازية وقوى مهيمنة من جهة ثانية، أو بين مستغلين (بالفتح) ومستغلين (بالكسر). ولنتذكر ما وضعه حكّام واشنطن من خطط مدروسة، قبل سنوات، عنوانها انتاج "الفوضى المنظمة" في منطقتنا!
فعلى الجميع الحذر من ردود الأفعال الطائشة والغاضبة التي يبتلع أصحابها هذا الطعم الاستعماري المطعّم بتوابل محلية، أو قل بطحالب محلية تنمو في مستنقعات الاستغلال والفقر والجهل والتعصّب الديني.
إنّ مصلحة الشعوب المشتركة تقتضي التصرّف بحكمة وشجاعة، وتجاوز هذا المنزلق المشرّع على كافة احتمالات الفوضى والدمار، وتجفيف مستنقع نشوء تلك الطحالب الإرهابية بين ظهرانينا.
