كلمةُ "تتبغدد" لها معنَان جاءا في معاجم وقواميس اللغة. المعنى الأوَّل: يعود أصلُ الكلمة إلى مدينة بغداد العريقة. فقال العرب "تبغددَ الرَّجلُ"، أي انتسبَ إلى بغداد أو تشبَّه بأهلِها، وذلك على قياسِ "تعرب الرَّجلُ" أيّ تشبه بالعرب أو انتسب اليهم. أما المعنى الثَّاني لكلمة "تتبغدد" هو التكبُّر والتَّعاظُم، وفي هذا المعنى إشارة إلى ارتفاعِ مكانة بغداد والبغداديّين، إذ تميَّزوا بالثّقافة والأدب والعِلم والمعرفة والحضارة.
ولطالما ضُرِبَ المثل في العراق، أرضًا وشعبًا، فهو وطن الثَّقافة والمثقَّفين، والفنّ والفنَّانين، والابداعُ والمُبدعين. ورغم ما يمرُّ على العراق من ظروفٍ قاسية، آخرها الاستفتاء في شماليّ العراق لتفتيت وحدة أراضيه وزرع الفتنة الهدَّامة بين العراقيين العرب والعراقيّين الأكراد، يظلُّ العراق وطن الازدهار والبناء الجميل وولَّاد العلماء والحكماء. وفي هذا السِّياق، لا بُدّ من الإشارة إلى أنَّ بغداد قد سُميّت بمدينة الحُكماء أو دار الحكمة، حيث ورَدَ أنَّها كانت تُسكَن من قِبَل الأُمراء والتُّجار ورجال الدَّولة، كما كانت أيضًا مَرتعًا لطلبةِ العلمِ والثَّقافة وسدًّا منيعًا بوجهِ دُعاة الطائفيَّة والطائفيَّين.
قبلَ أشهُرٍ قليلة، دُحِرَت الدَّواعِش من أُمِّ الرَّبيعَين (الموصل، وقد سُميَّت بأُمِّ الرَّبيعَين نظرًا لاعتدالِ مناخِها في فصلَيّ الرَّبيع والخريف) وقد عادت الحياة الآمنة إلى الموصل وسهل نينوى، إلَّا أنَّ الاستقرار لم يطُل، إذّ أطلَّ قادةُ الأكراد مطالبين بالانسلاخِ عن الوحدة التاريخية مع بغداد بهدف الاستقلال.
قد يكون حق تقرير المصير أسمى الحقوق الّتي تُمنح للشعوب والأقلّيات، خاصةً المُضطهَدة منها، إلا أنَّ ما ميَّز المجتمع العراقيّ طيلة أعوامٍ طويلة بتقديري هو الانسجام والتّوافق والوئام. فبغداد، هي رمزُ انتصارات العِلم على الجَهلِ ومنارة المعرفة الّتي أضاءَت عتمة تاريخنا العربيّ على مرِّ التاريخ.لذلك، لا يُمكنُ فَهم أو تفهُّم مطلب العراقيين الأكراد بالانسلاخ عن الوطن الأُمّ، العراق، خاصةً وأنَّهم يتمتّعون بحُكمٍ ذاتيّ منذُ مدّةٍ طويلة.
وأخيرًا، يحقُ للعراقيّين "التَّبغدُد": فمن يملكُ ينابيع الحضارات والهامَ الثَّقافات، حقَّهُ أن "يتَبغدَد"؛ومن يَنسِج من نَهرَي دجلة والفُرات أرقى المقامات الموسيقيَّة ويَغزِل من "تمْر" البصرة، جَنوبيّ العراق، أشهى الايقاعات العراقية، حقّهُ أن "يتبغدد".
وقد نسجَ الشَّاعرُ العراقيّ المُعاصِر، كريم العراقي، قصيدةً شعبيَّة تحتَ عنوان "تتبغدَد علينا واحنا من بغداد"، حيثُ تؤكدُ عظمة بغداد والبغداديّين. فخطَّ في مطلع القصيدة:
"تتبغدد علينا" واحنا من بغداد!
إلعب غيرها يا حضرة الأُستاذ
غزار الرَّافدين يصيد ما يِنصاد
لَملِم هالشِباك وروح يا صيَّاد
لا بغدادي انت ولا ابن بغداد
"تتبغدد علينا" واحنا من بغداد
قصيدةٌ تحتاجُ إلى التَّأمُل لمعرفة مكانة بغداد الثقافية والأديبة والعلميَّة، ورغم الظّروف القاسية، فسيظلُّ العراق بتاريخِه وابداعِه وثقافتِه رمزًا يضيءُ سماءَ العرب، خاصةً في ظلِّ الوَيلات الّتي أنهكت أواصر العلاقات بين الأُمَّة الواحدة.
(النّاصرة)
