تحت رعاية نادي المحبة في قرية عبلِّين، الجليل الغربيّ، أُقيم في مقهى فتُّوش، الواقع في حيِّ الألمانيَّة في حيفا، الذي عوَّدنا على احتضانه وتشجيعه للأعمال الفنيَّة والأدبيَّة والثَّقافيَّة، معرض الصُّور الفوتوغرافيَّة لقُرى مهجَّرة جرفتها عصابات صهيون وشرَّدت ساكنيها، في ذلك العام، تحت عنوان "عِطر المكان"، عسى شبابنا يستنشقون شذا المكان ويعبقون بعطره الفوَّاح ويحفظون اعتبار المكان لردِّه سريعًا بعد أن ضاق بالانتظار ذرعًا ويعيدونه إلى زمانه، بعد أن غاب نهار آخر وآخر وآخر عن المكان والزَّمان..
إنَّ انتقاء مكان العرض في المقهى، لهو دليل تثقيفيٌّ لشباب المستقبل الذين يرِدُونه، في لقاءاتهم خلال النَّهار وفي سمرهم، علَّها تنفض عن كاهلها غُبار اللامبالاة وتتخلَّص من عدم الاكتراث لمُصابهم، حتَّى لا تأخذهم سِنةٌ من نوم الذَّاكرة وتُعيدهم إلى ذواتهم وتُرجِعُ إلى أذهانهم ما سمعوه من أجدادهم أنَّ "هذا البحر لي والهواء الرَّطب لي واسمي، وإن أخطأتُ لفظ اسمي على التَّابوت، لي".
يعيدونه لينسجمَ عطر المكان برائحة الزَّمان الزَّكيَّة، بعد أن يعود إلى غمده، وليشهدَ بأنَّ حجارته واشجاره وترتبه وهواءَه وبحره وسماءَه ما زالت تفوح بطيبها وتحفظ نكهتها برمش عينها لأهل البلاد، ساعة عودتهم إلى حضنها.
ويكون المعرض في المقهى منشِّطًا حيويًّا لذاكرة فلذَّات أكبادنا، أصحاب المكان والزَّمان، حيث أنَّ غالبيَّة روَّاده من الشَّابَّات والشَّباب، الذين كادوا يئِدون أهلهم ويدفِنون معهم ذاكرتهم وتاريخهم وكلَّ شارة تشهد أنَّ هذه الأرض كانت ولا تزال وستبقى مسكونة بشعبها وشعبها مسكون بوطنه الذي ليس لهم وطن سواه، مهما حاولوا قذفنا إلى المحيط..
لقد دأبَ د. جبُّور خوري والأخ مجدي عسَّاف، بثبات ومثابرة وعناء، على نقل أريج هذا المكان على صورٍ تروي حكاية شعب ونكبة لم يشهد مثلها شعب آخر، وإبراز الشَّوق للزَّمان الغابر الحاضر في أفئدتنا، رغم الدَّاء والأعداء، وتبيان الغُبن والجور الذي لحق بشعبنا، حيث قام بتصوير هذه القُرى من خلال شواهدها الصَّامدة والنَّاطقة بلسان الظَّرفين، اللذين لم تقوَ عليهما يد الدَّمار والخراب والعبثيَّة، فكانت أعتى من الاحتلال وكتائبه البغيضة والمبغوضة، وأقوى من النِّسيان.
وحين أنظرُ إلى مناظر البيوت المهدَّمة أتخيَّل ميخائيل أنجلو يخرج من بين أنقاضها صائحًا بحجارتها أن تحكي عن مأساتنا، كما اراد من تمثاله الذي نحته على قبر البابا يوليوس الثَّاني أن ينطقَ بعد نحته لتمثال موسى حيث ناداه صارِخًا:"أنطق يا موسى"..وأشعر كذلك أنَّ أهل هذه الدُّور والسَّاحات والحواكير قد خرجوا منها للتوِّ، قاصدين شراء مواد البناء والسَّماد كي يعودوا بها، لإعادة إعمار وترميم بيوتهم وإخصاب تربة ساحاتهم وتزيين أماكن عبادتهم، كي ترجع كسابق عهدها، فهذه سُحماتا، دير القاسي، البصَّة، عكبرة، ميرون، الجاعونة، كويكات، الحسينيَّة، الصَّفصاف، فرَّاضية، اللجون، إجزم، عين غزال، كفر عنان، الخصَّاص، النَّبي يوشع، النَّبي روبين والبروة..
لم يكتفوا بطرد أهل البلاد من قراهم ومدنهم فقط، بل قاموا بنقل أحجار هذه البيوت ليبنوا أبنيتهم وقصورهم أو قاموا باغتصاب البيت بعد أن سكنوه وطردوا أصحابه..
لقد صوَّر د. جبُّور أنقاض تلك القُرى الشَّاهدة على المأساة، ووضعها كبطاقات بريديَّة يمكن استعمالها وإرسالها لأصدقائنا في غربتهم القسريَّة أو الاختياريَّة، فضلاً عن دليل جميل جدًّا، مُختصر، يحمل الصُّور ومن خلفها نبذة عن تاريخ ومُميِّزات وصفات ذلك المكان أو تلك القرية، عسى أن يكون في الصُّورة مناجاة لأهل البيت أن يعودوا إلى ديارهم..
لقد وضع د. جبور خوري نفسَه أمام تحدٍّ كبير وجدير به، فهناك ثلاثمائة قرية مهجَّرة أو
يزيد، فضلاً عن أكثر من أربعين قرية عربيَّة غير معترفٍ بها، داخل خطِّ النَّكبة، يجب توثيقها بالصُّورة والكلمة والى مزيد من العطاء المُثمر، وأنت "قَدْها" كما زميلك مجدي كقول الشَّاعر:
عَلَى قَدْرِ أََهْلِ العَزْمِ تَأتِي العَزائِمُ وتَأتِي عَلَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارِمُ
ولكَ يا طبيبنا ولمجدي تمام العافية والعمر المديد والعقل الرَّشيد والرَّأي السَّديد لإتمام هذا المشروع الوطنيِّ المشروع..
حيفا
