لحظات تاريخية طال انتظارها

single

المشهد السياسي الراهن في العالم العربي يكتنفه الكثير من الارتباك والغموض . فالثورات الشعبية التي أطاحت بنظامي  ابن علي في تونس ومبارك في مصر لا يزال يعترضها الكثير من الصعاب والمؤامرات ، الداخلية بالأساس، الساعية للإطاحة  بها، والحال في كل من ليبيا واليمن أسوأ.
ففي ليبيا نجح الطاغية القذافي في جر البلاد الى حرب دموية رهيبة وفسح المجال أمام التدخل الأجنبي المستنكر لتدمير البلاد ومقدرات الشعب. وفي اليمن يسود التخوف من ان يحذو علي عبد الله صالح حذو طاغية ليبيا وينجح في جر البلاد الى أتون حرب أهلية في بلد يعيش نصف سكانه تحت خط الفقر. ويتفاقم هذا بعد أسابيع طويلة من اعتصام الأكثرية الساحقة من الشعب في ساحات التغيير في مختلف مدن ومحافظات اليمن للمطالبة برحيل النظام الاستبدادي، الذي نفذ المجازر ضد الشعب.
وفي البحرين، على الرغم من الهدوء المزعوم، الذي تحاول تصويره أجهزة الإعلام المنحازة فإن الأوضاع هناك ما زالت على حالها، والمطالب التي نادت بها المعارضة وهي الأكثرية الساحقة من شعب البحرين لم تجد حلولا لها بعد. ودماء الشهداء الذين سقطوا في دوار اللؤلؤة برصاص الأمن البحريني و "درع الخليج"  لم تجف بعد. وفي سوريا الوضع يزداد تعقيدا وتتسع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالحرية والحياة الكريمة في الوطن، ويرافقها المزيد من سفك  دماء الأبرياء فيما لا يزال النظام الذي وعد بتنفيذ إصلاحات جوهرية يتلكأ  في تحقيق ذلك. ونؤكد ان هذا لا يتلاءم مع طبيعة نظام معادِ للهيمنة الأمريكية وللاحتلال الإسرائيلي.
وفي الأردن تتطور الأوضاع نحو اتساع الاحتجاجات الشعبية والملك يستخدم ورقة إقالة الحكومة او مجلس النواب لامتصاص نقمة المحتجين ولكن دون الاستجابة لمطالبهم المشروعة.
إن الارتباك والغموض والتخوف من المستقبل في العالم العربي مرتبط بالخراب والفساد والمصائب التي خلفتها أنظمة الاستبداد. لقد نجح  الملوك والرؤساء العرب، الذين استبدوا بالسلطة واستفردوا بمقدرات الشعوب والثروة الوطنية للدول العربية طيلة عقود طويلة من الزمان، في تحويل مؤسسات الدولة والحكم الى أوكار للصوص مفسدين يديرون شبكات المصالح الخاصة والفردية على حساب مصالح الشعوب وتحويل الجماهير الشعبية الى فقراء بائسين يائسين همهم الوحيد الركض وراء لقمة العيش.
لكن ما لم ينجح به هؤلاء الطغاة الفاسدين هو فهم مطالب شعوبهم ومدى طاقة هذه الشعوب على تحمل الاهانة والمذلة والجوع.  وهذا سر نجاح هذه الثورات البطولية وانطلاقها.
وما يثلج الصدر ويدعو الى التفاؤل هو ان الشبان والشابات العرب، الذين يقودون هذه الثورات، يعون ما يريدون في كل بلد وبلد ويعون أيضا حقيقة المكائد والمؤامرات التي تتربص بهذه الثورات. ففي تونس ومصر تظاهر أمس الأول الجمعة ألوف مؤلفة مطالبين بتحقيق مطالب الثورة في البلدين وفي مقدمتها محاكمة ابن علي ومبارك واقصاء المقربين منهما عن السلطة وحظر نشاط حزبيهما. وفي ليبيا يتصدى شباب الثورة ببسالة فائقة للجرائم التي تنفذها كتائب القذافي ومرتزقته ضد الشعب الأعزل. وفي اليمن يصر قادة الثورة الشباب على رحيل صالح وإسقاط نظامه بالطرق السلمية.
فعلى الرغم من كل الارتباك والغموض بالنسبة للمستقبل الا اننا نعيش لحظات تاريخية  طال انتظارها ومن شأنها ان تغير وجه العالم العربي وتعيده الى موقعه الطبيعي المحترم في هذا العالم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

أوباما وثورة الأمل

featured

لا مفر الا النَّصرُ وبرافر لن يمرَّ!

featured

لهم طبيعتهم، ولنا طبيعتنا

featured

هؤلاء الذين نقلوا قضايا شعبنا

featured

ما بين "المواطنة" والعنصرية…

featured

من بيت جن أعلنها بقوة أرفض الولاء للدولة !