* هل تم الاتفاق على اقامة نظام عالمي جديد؟ ما هي الضمانات لدب العافية في جسم الاقتصاد العالمي المتدهور؟*
اختتم في العاصمة البريطانية لندن يوم الخميس الماضي، عمل مؤتمر قمة "الجي -20"، بمشاركة رؤساء دول وحكومات الدول الغنية الصناعية العشرين الاكثر تطورا. وفي البيان الختامي الذي قدمه رئيس الحكومةالبريطانية من خلال مؤتمر صحفي "بشر" غوردن براون الرأي العام العالمي، وخاصة في بلدان ضحايا الاعصار المالي الاقتصادي المدمر، ان من نتائج ما اتفق عليه في قمة العشرين "ليس اقل من نظام عالمي جديد" يفتح عهدا جديدا في تطور الاقتصاد العالمي، حيث ابدت الاسرة الدولية تجندها لانقاذ الاقتصاد العالمي بواسطة حزمة "مساعدات" غير مسبوقة فبلغ خمسة تريليونات دولار، هدفها اعادة الحياة والانتعاش الى الاسواق المالية والتجارة العالمية. فما هي خطة الانقاذ التي اتفق عليها وما هي مدلولاتها الاقتصادية والسياسية.
* الصفقة كما اقرت!
لقد تقرر ضخ ما قيمته 1,1 مليار دولار الى صندوق النقد الدولي وفيه من المؤسسات المالية الدولية باعتباره آلية اساسية تقدم من خلاله وتوجه الاموال لاغاثة البنوك والمؤسسات والمصالح المأزومة، وحول طابع نشاط صندوق النقد الدولي كآلية تنظيمية لتوزيع مساعدات الانقاذ جرى نقاش وتناقض في الموقف بين التحالف الامريكي – البريطاني وبين التحالف الفرنسي الالماني كاد يؤدي الى فشل القمة والى انسحاب الرئيس الفرنسي نيقولا ساركوزي من المؤتمر، وبسبب الخلاف هو رفض التحالف الفرنسي – الالماني للهيمنة الامريكية البريطانية في ادارة شؤون صندوق النقد الدولي، وان يشرف على الادارة والمراقبة لتنظيم النشاط وتخطي العفوية والمخاطر آلية يتفق عليها من مجموعة "جي-20"، وهذا ما تم الاتفاق عليه، وجرى الاتفاق على توزيع التريليون دولار بالشكل التالي، يخصص نصف المبلغ لتقديم قروض لاسعاف الدول التي تعاني اكثر من غيرها من انياب الازمة المفترسة، و250 مليار دولار لتشجيع التجارة العالمية ومئة مليار دولار قدم لبنوك التطوير العالمي، التي تستطيع تقديم القروض للبلدان الاكثر فقرا!! وعمليا فانه وفق خطة الانقاذ هذه تقدم للبلدان الفقيرة ضحايا التقسيم العالمي الرأسمالي للعمل فتات مائدة الدول الغنية.
ووفقا لخطة قمة العشرين فان الـ 1,1 تريليون دولار التي ستوزع عبر صندوق النقد الدولي ومؤسسات مالية اخرى هي جزء عضوي من مبلغ هائل يقدر بخمسة تريليونات دولار تخصص من ميزانيات دول مجموعة العشرين وتقدم في اطار المجهود المبذول للخروج من الازمة حتى نهاية الفين وعشرة..
كما اتفق على تنظيم آليات مراقبة دولية ناجعة على المؤسسات المالية المختلفة لمنع سياسة توفير الملجأ للهاربين من دفع الضرائب المستحقة ودفع جوائز مالية وامتيازات مالية ودخل مبالغ فيه لمؤسسات فاشلة ولمديرين فاشلين. اقامة جهاز مراقبة عالمي مع البنوك يكون بوسعه تحسين التعاون الدولي في الكشف عن المخاطر ومؤشرات احتمال وقوع الازمات قبل انفجارها.
لقد جاء في فقرة مطلع البيان الختامي لقمة العشرين للدول الصناعية ما يلي" اننا نلتزم اليوم ان نعمل كل ما هو ضروري لاستعادة الثقة والتنمية والتشغيل، والعمل سوية. لاخراج التزاماتنا من القوة الى الفعل ولانقاذ الاقتصاد العالمي من الازمة"! ففي هذه الفقرة توضع الشدة على ضرورة القيام بكل ما هو ضروري لانقاذ النظام الرأسمالي من ازمته المدمرة، وما هو ضروري وقد تم الاتفاق على خطوطه العريضة، التي تستوجب مصادقة حكومات وبرلمانات كل دولة من مجموعة العشرين، والتي يمكن ايجازها وباختصار بما يلي:
- اولا: زيادة المصادر المالية للبنك المركزي العالمي بـ 750 مليار دولار لمساعدة الدول التي وصلت الى حافة هاوية التدهور. وبهذا فان صندوق النقد الدولي قد عاد عمليا الى مركز وصدارة المنصة المالية العالمية بمهمة ودور الممول والمنقذ المسعف.
- ثانيا: تكثيف دور الدولة في عملية الانقاذ من خلال زيادة الميزانيات الحكومية لبلدان العالم لتصل ال خمسة تريليونات دولار تجند في عملية انقاذ الاقتصاد العالمي من الازمة والانتقال من حالة التدهور والركود الاقتصادي – انخفاض وتيرة النمو الاقتصادي وزيادة البطالة الواسعة، انخفاض الطلب والاستهلاك الفردي العام المدني العام في العام الفين وتسعة الحالي، الى بداية وانتعاش اقتصادي في العام الفين وعشرة.
- ثالثا: تقرر تعميق وتوحيد الية تنظيم الاسواق المالية بمختلف اشكالها وذلك بهدف تقوية جهاز المراقبة على الاموال المستثمرة في البورصات ومختلف المؤسسات البنكية وصناديق الائتمان وبنوك الرهن العقاري.
- رابعا: العلانية والشفافية بعيدا عن الدهاليز السرية المعتمة لنشاط البنوك والمؤسسات التسليفية والمالية المختلفة كوسيلة من وسائل محاربة "الرأسمال الاسود" الهارب من دفع المستحقات الضريبية محاربة غسل وتبييض الاموال والمعاشات الكبيرة الخيالية غير الاخلاقية والمدمرة لكبار الموظفين ومحافظي وعمداء البنوك وغيرها من المؤسسات المالية والاحتكارات الصناعية.
- خامسا: مساعدة البنوك والمؤسسات المالية المأزومة للتخلص من اعباء "الاملاك المسمومة"، أي من اسهم وسندات الرهن العقاري التي انهارت اسعارها ولا تستطيع البنوك جباية مقابلها، ولهذا فان خطة قمة العشرين قررت تقديم القروض لهذه البنوك لاخرجها من اوحال ورطتها المأساوية.
* المدلول الحقيقي للخطة:
برأينا ان ما تم اقراره في قمة العشرين في لندن قد يساعد على تخفيف حدة الازمة، مساعدة بنوك ومؤسسات مالية وانقاذها من الافلاس والانهيار، تطويق وتخفيف حدة الركود الاقتصادي وتخفيض عدد جيوش المعطلين عن العمل وبداية زيادة وتيرة النمو الاقتصادي وملامح انتعاش اقتصادي قد يلوح في الافق! ولكن كل ذلك مرهون بمدى التزام انظمة قمة العشرينبالتعهدات التي اتفق عليها. وقد صدق الرئيس الامريكي براك اوباما بتحذيره اذ انه بعد ان امتدح ما توصلت اليه قمة العشرين معتبرا اياها نقطة تحول في محاولة انعاش الاقتصاد العالمي بعد هذا حذر من انه "لا توجد ضمانات لنجاح هذه الخطوات"! برأينا ان ما تم انجازه في قمة العشرين ليس ابدا الاتفاق واقرار نظام اقتصادي عالمي جديد، بل تبني بعض العناصر، التي يمكن ان يشملها اقامة نظام اقتصادي مالي عالمي جديد، سنتطرق اليها لاحقا، ولكن ما تم الاتفاق عليه يختص وبشكل عيني محدد معالجة احدى اليات الاقتصاد العالمي الهامة، معالجة الازمة المالية العالمية، ازمة الاسواق المالية من بورصات وبنوك وصناديق ائتمان وغيرها من المؤسسات المالية وتأثيرها السلبي على مختلف اوجه النشاط الاقتصادي والحياة الاجتماعي، على الركود الاقتصادي والبطالة وتهديد اركان وقواعد النظام الرأسمالي العالمي. ولهذا فان قمة العشرين استهدفت بذل الجهود المشتركة للدول الغنية الصناعية بالاساس لتنظيم السوق المالية العالمية والتجارة العالمية كوسيلة من وسائل دب العافية من جديد في الجسم الرأسمالي المسجي في غرفة الانعاش.
اما اقامة نظام عالمي جديد اكثر عدلا من النظام الذي وصل الى مرحلة الفشل ولفظ الانفاس فيتطلب اولا وقبل كل شيء القضاء على التناقضات الصارخة القائمة في اطار التقسيم العالمي الرأسمالي للعمل، في اطار العولمة الرأسمالية المتوحشة خاصة بين الدول الصناعية الرأسمالية المتطورة التي تحتكر انجازات الثورة العلمية التقنية الجديدة وتستغل اذرع اخطبوطاتها من الشركات الاحتكارية عابرة القارات ومتعددة الجنسيات ومؤسساتها المالية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لزيادة استغلال ومعاناة البلدان النامية الفقيرة صحيفة التطور في قارات آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية واستغلال الطبقة الكادحة والشرائح الاجتماعية المسحوقة في بلدانها. فاقامة نظام عالمي اقتصادي جديد على قواعد التكافؤ والمنفعة المتبادلة ومحاربة الفقر والتخلف في البلدان النامية وسيادة العدالة الاجتماعية في العلاقات والتعامل على الحلبة الدولية المطلب الاساسي لجميع قوى التقدم السياسي والاجتماعي في عالمنا.
اقامة نظام عالمي اقتصادي – مالي جديد يتطلب اصلاحا جذريا في سوق التبادل النقدي وسعر صرف العملات بشكل يلغي الدور الاحتكاري للدولار الامريكي كنقد عالمي اساسي في التعاملات والمبادلات التجارية وخاصة في مجال تجارة النفط والاغذية. انتهاج مبدأ التعددية النقدية حتى الاتفاق على وسيلة دفع وتعامل مالي جديدة متفق عليها.
اثبت ما تمخض عنه مؤتمر قمة رؤساء العشرين من نتائج العودة الى تنشيط دور تدخل الدولة في عملية النشاط الاقتصادي وتوجيه ضربة الى المنهج النيوليبرالي وسيادة "السوق الحرة"، "اقتصاد السوق" في قيادة دفة النشاط الاقتصادي والمالي، فشل وازمة هذا المنهج ونهجه الفوضوي على النطاق "الوطني" داخل كل بلد رأسمالي وعلى النطاق العالمي تجسد بفشل طابع العولمة الرأسمالية الوحشية الخنزيرية النيوليبرالية.
كما عكست قمة العشرين انخفاض مكانة ودور الهيمنة الامبريالية الامريكية كقطب اوحد في قيادة النظام الرأسمالي العالمي والعالم. اكدنا دائما ونؤكد اليوم بناء على ادراكنا لجوهر الرأسمالية ان ازماتها الدورية تنبع من رحم طابعها الاستغلالي والركض وراء الربح، ولهذا فمختلف خطط العلاج والانقاذ لا تستطيع تغيير طابع الرأسمالية او تحصينها وصيانتها من ازمات مرتقبة. فالرأسمالية ليست نهاية التاريخ وليست الخيار الوحيد للبشرية، فاقامة النظام البديل، نظام العدالة الاجتماعية في الافق الاستراتيجي للمعترك الكفاحي الطبقي والسياسي يبقى امل البشرية المنشود.
