ثمّة اسرائيل ثانية ستُدقّ في الخاصرة العربيّة الجنوبيّة الأفريقيّة في برّ مصر، هي دولة جنوب السّودان، كما كانت قد دُقّت اسرائيل الأولى في الخاصرة العربيّة الجنوبيّة الآسيويّة في برّ الشّام، وكان أعداء العرب قد حاولوا وهم يحاولون الآن ولن يكفّوا عن المحاولة في دقّ اسرائيل في أيّ مسامة من مسامات أيّ جسد عربيّ يهمله العرب، وخير مثال على ذلك العراق.
كلّ هذه الخوازيق تدقّ وستدقّ والأنظمة العربيّة إمّا تسالم أو تسلّم أو تستسلم لهذا الواقع غير الطّبيعيّ والمهين والمذلّ، ولكنّها لن تَسلَم في النّهاية، كما قد يظنّ حكّامها واهمين.
ومن الواضح أنّ نتائج الاستفتاء في جنوب السّودان ستكون في صالح الانفصال، ومن الواضح أيضًا أنّ النّظام السّوداني وعلى رأسه الرّئيس عمر البشير بات مسلّمًا بهذه النّتيجة، وهذا بناء على تصريحاته حول احترام نتائج الاستفتاء وكذلك حول اقتسام الموارد وتنازل الحكومة السّودانيّة عن حصّتها في نفط الجنوب، وربّما تكون موافقته صفقة أبرمها للتّخلّص من المحاكمة الدّوليّة التي تتّهمه بجرائم حرب، وهي محكمة كما يبدو أنّها أنشئت للعرب رؤساء وأحزابًا ومناضلين ولكلّ من يقف منهم في وجه المشروع الأمريكي الاسرائيلي، وكأنّ حكّام الولايات المتحدة الأمريكيّة وحكّام اسرائيل أبرياء من جرائم بحقّ الإنسانيّة وبخاصّة بحقّ شعوب العالم الثّالث، في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة. وما زالت هذه الجرائم تُرتكب حتى الآن في فلسطين ولبنان والعراق وأفغانستان.
وقد سلّم بهذا الواقع المرّ والمذلّ النّظام المصريّ الذّليل ونظام الجامعة العربيّة المتواطئ مع الأنظمة الذّليلة، ولسوف تعاني السّودان ومصر - أمنيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وفي الثّروات الأساسيّة، وأهمّها ثروة النّيل المائيّة - من هذا التّخاذل المهين، ولعلّ النّشاط السياسي الذي قام به الرّئيس مبارك والرّئيس القذّافي يجعلنا نتساءل بقلق حول الصّفقة التي يخططانها، وما هو ثمن بيع نصف السّودان الذي كنّا من وقت قريب فقط نتغنّى باستقلاله وننادي بوحدة أراضيه.
وكذلك الحال مع نشاط الجامعة العربيّة، فقد جاء متأخّرًا هو الآخر، دالا على القبول بمبدأ التّفريط لما تمليه آلة السّياسة الأمريكية والإسرائيلية التي بات العرب "برغي" لا يصدأ من براغيها. صار التّنازل عن عروبة وإسلام ودول وعواصم ومدن ومناطق ومقدّسات ومساجد وكنائس وكرامة وعزّة وشرف أهون على هؤلاء من أن يقولوا "لا" صغيرة بحجم بيت في غزّة لأمريكا وإسرائيل.
لقد مسحت مصر دورها الإقليمي التاريخي، والذي لخّصه الرّئيس جمال عبد النّاصر في كتابه "فلسفة الثّورة" بتواجد مصر وتفاعلها في الدّوائر الثّلاث، فعلى السّاحة العربيّة فرّطت مصر بحقوق الشّعب الفلسطيني وأضحت اسرائيل شريكًا استراتيجيّا، وعلى السّاحة الإسلاميّة فرّطت بكلّ العلاقات والمقدّسات فأضحت إيران عدوًّا، وعلى السّاحة الافريقيّة فرّطت بتأثيرها وثقلها السياسي فأضحت الدّول الأفريقيّة ذات العلاقة مع اسرائيل تحتلّ جزءًا من الصّومال، وحتى أثيوبيا ومعها كينيا صارتا تتحكّمان بمياه النّيل، وباتت مصر تستجدي زيادة حصّتها من المياه، وصار "ليبرمان" الذي لا يطيق لنا أن نستنشق الهواء يعرض وساطته في هذا الشّأن، وربّما بمساعدة هذا النّشاط السياسي الفاسد والمُفسد لاسرائيل وأميركا وغيرها من الدّول الغربيّة قد نشرب الماء. فإلى أين أوصلنا الهوان؟ لقد مسحت مصر دورها بمحض إرادتها وبضغط أمريكي، وفي الحاليْن هانت مصر فسهُل الهوان عليها.
سلفا كير رئيس حكومة جنوب السّودان وهو نائب الرّئيس السّوداني يدلي بتصريحات خطيرة، إذ قال: "إنّ اسرائيل ليست عدوّة لجنوب السّودان بل هي عدوّة للفلسطينيّين فقط، وأنّ اسرائيل يمكنها فتح سفارة في "جوبا" عاصمة الجنوب السّودانيّ المستقلّ".
وإذا ربطنا هذه التّصريحات مع الدّور الأمريكي والاسرائيلي الدّاعميْن للانفصال في السّودان، فإنّنا نرى بأمّ العين والتّحليل الموضوعيّ أنّ السّياسة الامريكيّة تسعى لمحاصرة العالم العربيّ والإسلاميّ بدول دورها مماثل لدور اسرائيل، ممّا سيجعل هذيْن العالميْن على حالهما البائس أكثر بؤسًا، وسيتأخّر بالضّرورة الحلّ في القضيّة الفلسطينيّة، والذي أصبح العرب فيه طرفًا محايدًا، بل في بعض الأحيان مساندًا للمماطلة الأمريكيّة والتّعنّت الإسرائيلي.
إنّ هذا القصور العربيّ الذي صار نهجًا متواصلاً سيصبّ في المصلحة الاسرائيليّة التي تسعى بحكوماتها اليمينيّة إلى حلّ القضيّة على حساب الأردن في الضّفة الشرقيّة للنّهر، وليس في قطاع غزّة والضّفة الغربيّة والقدس. ومن يفرّط في القدس وفلسطين ولبنان وجنوب السّودان، فما الذي سيمنعه عن التّفريط بدولة الأردن الهشّة، ذات المواقف المتماثلة مع السّياسة الأمريكيّة والمماثلة للمواقف المصريّة والسّعوديّة والخليجيّة وغيرها.
دولة جنوب السّودان العتيدة والمرغوب في قيامها أمريكيًّا وإسرائيليًّا وغربيًّا ستكون مدعومة بكافّة الوسائل والإمدادات الماديّة والعسكريّة، وقد تصبح أيضًا مدجّجة بالسّلاح من أمّ الرّأس إلى أخمص القدم، وقد تُزوَّد بالسّلاح الذرّيّ. وبالتّالي يمكن لهذه الدّولة أن تحتلّ دولة الشّمال الضّعيفة وغير المدعومة من أحد من العرب، أو على الأقلّ قد ينهش الجنوب ضفّة غربيّة سودانيّة شماليّة أو قطاع غزّة سودانيّ شماليّا، ومن ثَمّ تدّعي دولة الجنوب بحقّها التّاريخيّ والتّوراتيّ في هذه أو ذاك.
كلّ هذه الخوازيق المنصوبة في عقر دارنا العربيّة وفي قعر أنظمتنا المقعورة أصلاً – كأنّه ما لخازوق بمقعور إيلام – والعرب نائمون وفلسطين تنتظر والعراق يئنّ واليمن يدمى والصّومال يُترك والسّودان يتمزّق ولبنان تُحاك له الفتن وسوريا يحاولون عزلها ومصر ممسوحة الأثر واسرائيل تعيث فسادًا وتجسّسًا في لبنان ومصر وسوريا.
ثمّة فلسطين أخرى آيلة للاحتلال وثمّة اسرائيل أخرى آيلة للتّوسّع والسيطرة، وثمّة مقدّسات وكرامات ستداس وأراضٍ ومياه ستنهب، من الوجه العربيّ، حتى يغدو هذا الوجه بلا ملامح واضحة ومتميّزة.
فلسطين لم تتحرّر بعد واسرائيل تسيطر على كلّ مكوّناتها من تراب وماء وهواء، واسرائيل جديدة في طور التّكوّن تلوح في الأفق الأفريقيّ المكفهرّ للأمّة العربيّة الذي يتحكّم فيه الحكّام العرب الكالحون.
هذا كلّه وأعداء الأمّة العربيّة التّاريخيّون: اسرائيل وأمريكا يسوّقان لأنظمتنا العربيّة عدوًّا جديدًا هو إيران، وبعض الأنظمة كمصر والسّعوديّة ومجرورين مثلهما يشترون هذه البضاعة الفاسدة التي كسدت في كلّ الأسواق إلاّ في أسواقهم.
فما المصلحة في معاداة إيران الآن؟ ومن المستفيد من ذلك؟
إنّ بحر الشّعوب العربيّة يهدر بفيضان معاكس لبوصلة الحكّام المضلّلة، وكذلك أرض الشّعوب العربيّة تزلزل بأثقال جسام وأجواء الشّعوب العربيّة تنذر بريح صرصر وسماء الشّعوب العربيّة تنبئ بطوفان لا يُبقي ولا يذر، وإنّ غدًا لناظره قريب.
