مسكين أنت أيها الدِّين

single

*الفرق المتسترة بالإسلام، ومدعّمة بالفتاوى المدفوع ثمنها، مطلوب منها أن تفتت وتمزق أوطاننا. كل فصيل يظهر في وسائل الإعلام، وخاصة المغرضة منها مثل "الجزيرة"، نرى أعضاءه يظهرون دون ان نرى منهم سوى العيون، يصرح بتبني عمليات عسكرية، لا نعرف مدى صحة هذه التصريحات. ولا بد هنا من الإشارة إلى وجه الشبه القائم بينها وبين تعدد الفرق التي نراها في المسيحية، والتي تسمي نفسها بالمبشرين الجدد وكل منها يفتي ويؤدي نفس الدور خدمة مصالح أخرى ليست وطنية*  

 

مسكين أنت أيها الدين، كل دين، فكم تُحرَّف تعاليمكم ويُكذب على لسانكم، وما أكثر الجرائم والموبقات التي ارتكبت، وما تزال تُرتكب، باسمكم. مسكين أيها الدين عندما يتدثرون بعباءتك ليحيكوا تحتها المؤامرات ويبيعوا الأوطان. باسم الدين يُحلّل الحرام ويُحرّم الحلال، في الأزمان الغابرة بيعت صكوك الغفران للمساكين لكي يحصلوا على مكان في الجنة، ولو كلف ذلك أن يبيع الفلاح الفقير، للكنيسة أو للإقطاعي، قطعة الأرض  الوحيدة التي  يعيش منها. أما اليوم فقد اصبح الثمن محتملاً، ففي مصر مثلا فإن إدلاء الصوت للإخوان يمكّن من ضمان الجنّة. وفي حينه، للتذكير، وبحجة الحفاظ على الأماكن المقدسة المسيحية، جرت الحملات الصليبية على بلادنا، بينما الهدف الحقيقي كان السيطرة على هذه البلاد واستعمارها. لقد تم ضياع أرض فلسطين وتشريد وأهلها في شتى بقاع الأرض، بحجة فتوى دينية بأن أرض إسرائيل هي أرض الميعاد التي منحها ألله لشعبه. وكأنه يوجد عند ألله ناس عز وناس آخرون ماعز.
إن أمريكا اليوم، التي تحتل منطقتنا وتحاول تفتيت شملنا، تقوم باستغلال الدين ابشع استغلال فزجت العراق في آلية فتنة الطوائف، فتشرذم العراقيون وانتشر التعصب الطائفي البغيض وما يرافق ذلك من حالات عنف رهيبة. وفي المقابل فإن ما يجري الآن في سوريا هو الدليل على خطورة تأجيج الفتنة الطائفية. لقد خرِبت سوريا بسبب تلك الفرق التي تحمل أسماء دينية. والسؤال هذا الجهاد ضد من ولمصلحة من؟ الهدف واضح والعنوان مكتوب على الحائط: غدًا سيذهب الأسد ويتسلم الحكم آخرون، وقد اختلفوا، حتى قبل أن يصلوا للحكم، والدليل هو ما حدث في المؤتمر الذي عقد في قطر للتوفيق بين أطياف ما سُمّي بالمعارضة. وهكذا تشرذم الشعب السوري إلى علوي وكردي وشيعي وسنّي ومسيحي. وليس من المستبعد من أن يتمخض الأمر عن تشكيل دويلة كردية مثلا، وبالمقابل أن تنعم إسرائيل بالجولان كما هو الحال مع لواء الإسكندرون الذي ضمته  تركيا. وكما يظهر فإن إسرائيل كانت، قبل حوالي ثلاثين عامًا، على علم بما سيحدث مستقبلاً فأعلنت ضم الجولان إلى ملكيتها!
إن تلك الفرق المتسترة بالإسلام، ومدعّمة بالفتاوى المدفوع ثمنها، مطلوب منها أن تفتت وتمزق أوطاننا. كل فصيل يظهر في وسائل الإعلام، وخاصة المغرضة منها مثل "الجزيرة"، نرى أعضاءه يظهرون دون ان نرى منهم سوى العيون، يصرح بتبني عمليات عسكرية، لا نعرف مدى صحة هذه التصريحات. ولا بد هنا من الإشارة إلى وجه الشبه القائم بينها وبين تعدد الفرق التي نراها في المسيحية، والتي تسمي نفسها بالمبشرين الجدد وكل منها يفتي ويؤدي نفس الدور خدمة مصالح أخرى ليست وطنية. 
إن المشروع  المطروح اليوم على الساحة المصرية، من قبل جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين، هو قيام دولة إسلامية. وبموجب قول أحد القيادات الاسلامية فإن مشروع الدولة الإسلامية الكبرى يعني كافة الدول الإسلامية بحيث تكون عاصمتها القدس. وفي هذه الحالة فهذا التوجه يعني أنه لا وجود للقضية الفلسطينية وأن حل القضية سيأتي من ضمن هذا المشروع: "وانطر يا كديش تيجيك الحشيش". أما  نهج الحياة في هذه الدولة الاسلامية فهو نسخة طبق الأصل عن الحياة في عهد الرسول العربي الكريم عليه الصلاة والسلام وصحبه الكرام. 
وهكذا فإن هذا المشروع، بالنسبة للمؤمن الحقيقي، هو الحلم الأجمل في حياته، وفي سبيل تحقيقه فهو مستعد لتقديم التضحية حتى لو كانت نفسه. إنه ولشدة ايمانه لا يدرك بأن هذا الأمر مستحيل، فحياة الناس اليوم تختلف عن حياتهم حتى بالأمس، فكيف بنا أن نعيدها إلى ما قبل ألف وأربعمائة عام؟ قادته أنفسهم يعلمون بأن ذلك غير ممكن، وان الهدف من طرحهم هذا هو تقديم خدمة للدول ذات المصلحة في تفتيت الوحدة ليتسنى لهم حكم هذه البلاد. هؤلاء القادة قابضون، و"خذ" فتاوى بقدر ما تريد واكثر. كل جماعة من هذه الجماعات تسمي نفسها بأسماء دينية مثل "فتح الإسلام" أو "جند الله" أو "جند المسلمين"، أو باسم قادتها مثل "جماعة أبو سياف" مثلا أو "أبو قتادة" وقبل ذلك "بن لادن" و"الظواهري". الاسماء كثيرة، حتى انه يصعب حصرها وكلها تدعي الجهاد، لكن أي جهاد ولمصلحة من؟ هل الجهاد ضد صدام لمصلحة أمريكا وإسرائيل؟ ضد القذافي ومع بريطانيا وفرنسا وحلف الناتو؟ هل هو للمصلحة من تقسيم السودان؟ أو لتفتيت السيادة المصرية كما يحصل في سينا من قبل تلك الفرق الجهادية.
ونعود إلى حرب هذه الفرق ضد سوريا وحزب الله وقائده السيد حسن نصرالله، الإنسان الصادق الأمين. إن كل ذلك مخطّط له وهو مصبوب في قالب واحد لإخراج منتوج جديد: شرق أوسط مقسم إلى دويلات تقع تحت السيطرة التامة للدول الغربية وإسرائيل. وإلا لماذا كل هذا الاهتمام بما يحدث في هذه البلاد، فهل مصلحة شعوب هذه المنطقة تؤرق مضاجع فرنسا وبريطانيا وألمانيا وأمريكا، ام أنها الرغبة في الاستيلاء على ثروات البلاد؟
والسؤال الموجّه هنا لحكام السعودية وقطر المتبرعين لإنتاج هذه السيناريوهات، هو  ماذا ستجنون من وراء تقديم  خدماتكم لتلك الدول؟ يقول المثل العربي "من خلع ثيابه عري". هذه الدول الاستعمارية لن تنفعكم وشعوبكم لن تغفر لكم. ومن الجدير ان تذكروا أن مبارك كان رجلهم الأول، وعندما انتهى مفعوله تخلوا عنه ليواجه مصيره وحيدًا، وتحولوا لاستعمال كرت آخر جديد - مختارنا الجديد جدًا - وهم جماعة الاخوان المسلمين وغيرهم من تلك الجماعات التي تسمي نفسها بالإسلامية. اليوم هنالك من ينادي منهم بهدم أبي الهول والأهرامات. وهنا نتساءل كيف يمكن لجماعة عايشت الظلم على جلدها، من حاكم كان يأتمر بأوامر سيده الأمريكي، تعود اليوم وهي في السلطة لتكون طوع بنان أمريكا. من هنا يتضح أن استخدام الدين من قبل البعض ما هو سوى وسيلة للوصول إلى استعمار هذه البلاد. وهنالك من يتقبل اقوال هذا الخوري أو ذلك الشيخ، دون نقاش ودون سبر غور أقوالهم.
وأخيرًا، وفي بلادنا، شارك مؤخرًا بعض كهنة الطائفة الأرثوذكسية والروم الكاثوليك في اجتماع عقد في نتسيريت عيليت، في عهدة السلطان جابسو صاحب الاعلام الكبيرة على المفارق، بهدف تشجيع الشباب المسيحيين للتطوع للخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي. وكان الاجدر بمن حضر هذا الاجتماع ان يتذكروا موقف "حبيب المسيحيين" جابسو، الرافض لنصب شجرة عيد الميلاد في مدينته، وكان الأجدر بهم ان يتذكروا جملته الشهيرة بانه لو كان في اكتوبر 2000 لكان عدد الضحايا العرب أكثر. فهل نطيع ونقبل بأهداف هذا الاجتماع أم نقوم باستنكارها ورفضها رفضا قاطعا؟ ختاما وبعد هذا الاستعراض لما يرتكب باسم الدين يحضرني القول بأن هنالك من يستخدم الدين كأفيون للشعوب ليتم ارتكاب الموبقات بها، فأترحم على ذلك..

 

 (كفر كنا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

لنبحث عن ثغرة "داعش"

featured

ستبقى يا أيوب قرا חתיכת ערבי "ختخات عربي"

featured

هي كتاب ضخم صفحاته عطاء

featured

مسلسل الأكاذيب

featured

الجدار الجديد وعقلية الغيتو

featured

ساحة ملتهبة وطبقة سياسية مخدّرة

featured

الأمن للشعب والحرص على الجنود لا يكونان باحتلال أرض الغير