إحموا أبو مازن

single

ما كشفت عنه برقيات وكيليكس السرية ، حول تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو ، عن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، وخطره على إسرائيل لم يكن مفاجئاً ، ليس لأننا نفتح بالبخت ونشوف الودع ونبصر المخفي ، بل لأن الدلائل كانت ولا تزال تشير إلى رفض نتنياهو لمجمل البرنامج الوطني الفلسطيني الذي  يتمسك به أبو مازن ، ولا يزال ، وإنه عقبة أساسية في وجه البرنامج الإسرائيلي البديل ، برنامج الإحتلال والإستيطان وخطواته في الضم والتوسع والتهويد وخاصة في القدس والغور .

الرئيس الراحل ياسر عرفات ، إستخلص العبر من مفاوضات كامب ديفيد ، تموز 2000 ، في ظل رعاية الرئيس الأميركي كلينتون ، حيث أدرك السقف الإسرائيلي الأميركي للحقوق الفلسطينية ، فرفضها ، ودفع ثمن رفضه ، حياته قرباناً وفداء لحقوق شعبه العربي الفلسطيني الثلاثة حقه في المساواة داخل إسرائيل ، وحقه في الإستقلال لفلسطين ، وحقه في العودة للاجئين .

ياسر عرفات ، حاول تعديل موازين القوى المائلة لصالح الإحتلال ، في محاولة لجعل الإحتلال مكلفاً ، فأوعز بتشكيل كتائب الأقصى وسلحها وغطّاها سياسياً ومالياً ، وحّفزها لتنفيذ عمليات موجعة ضد الإحتلال على أن يقتصر ذلك على قوات الإحتلال ومنشأته ومستوطنيه في الضفة والقدس والقطاع ، بهدف واضح ومحدد وهو دفع إسرائيل لتحسين عروضها التفاوضية للقيادة الفلسطينية لتكون أكثر إستجابة وإقتراباً من الحقوق الفلسطينية ، ولكنه فشل ودفع حياته ثمناً لهذا الخيار .

أبو مازن تمسك بحقوق شعبه الثلاثة ، وبقضايا المرحلة النهائية ، ورفض العروض الإسرائيلية والأميركية ، وقال بالفم المليان لواشنطن وتل أبيب ، من خلال المفاوضات غير المباشرة بينه وبين نتنياهو عبر الوسيط الأميركي السيناتور جورج ميتشيل ، وقالها علانية في المفاوضات المباشرة مع نتنياهو تحت رعاية الرئيس أوباما وبحضور الشهود الأميركيين الذين لم ييأسوا ويحاولوا الآن إعادة المفاوضات المباشرة بعد الحرج الذي سببه لهم نتنياهو برفضه الواضح والصريح إلى 1- رفض التفاوض من النقطة التي تم التوصل إليها بين أبو مازن ويهود أولمرت في نهاية عام 2008 ، 2- رفض وقف الإستيطان على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 سواء في القدس أو الضفة الفلسطينية ، 3- رفض تحديد حدود الدولة العبرية وبالتالي حدود فلسطين ، مع تأكيده أن لا عودة إلى خطوط الرابع من حزيران 1967 ، وأن لا عودة للاجئ واحد إلى أرضه المنهوبة عام 1948 .

ابو مازن قال لا للإسرائيليين وللأميركيين ، ولكنه لم يغامر للعمل على تعديل موازين القوى بالعمل المسلح ضد الإسرائيليين والعمل على إستفزازهم ، بل بقي ممسكاً برايات الكفاح الدبلوماسي وكسب المزيد من الأصدقاء والمؤيدين للحقوق والمطالب الفلسطينية ، سواء من داخل المجتمع الإسرائيلي أو من داخل الطوائف اليهودية المؤدية لإسرائيل في أميركا وأوروبا ، أو من داخل المجتمع الأميركي نفسه المنحاز لليمين الإسرائيلي .

وبقي ممسكاً برايات الكفاح الشعبي والنضال المدني والإنتفاضة السلمية ، وبقي برنامجه معلناً ومغلقاً ضمن خطوات العمل الثلاثة : العمل الدبلوماسي ، النضال المدني ، وبناء المؤسسات على الأرض عبر حكومته الإئتلافية وبرنامج سلام فياض التنموي  ، فإكتسب المصداقية وإخترق صفوف وتجمعات اليهود ، وقوّى الأوروبيين وساعدهم ، وأحرج الأميركيين وحشرهم في الخيارات الفلسطينية ، وعرى نتنياهو ، وعزله ، مما دفعه لأن يقول ما قاله في جلساته خاصة وغير معلنه عن خطر أبو مازن على إسرائيل .

ما قاله نتنياهو ، وما فعله أبو مازن يجب أن يُشعل الضوء الأحمر ويوقظ البعض من غفوته ، كي يتم لملمة الحالة الفتحاوية أولاً والحالة الفلسطينية ثانياً وإدراك ان إسرائيل ذات المخالب المسمومة والقنابل العنقودية والصواريخ الموجهة والإقتحامات غير الأخلاقية ، لا خطوط حمر عندها أو   لديها ، حتى تقف عندها ولا تتجاوزها ، فقد تجسست على أميركا ، وإستعملت جوازات الأوروبيين من أصدقائها بعد أن زورتها  ، في سبيل خدمة أغراضها وأهدافها ، ونفذت عمليات غير متوقعة ، ولهذا يجب أن يلتف الفتحاويون حول أبو مازن حماية للبرنامج الوطني ، فهو الشاهد وهو التجربة وهو الرصيد ، فلا تتهاونوا مع محاولات المس به بسبب ردة فعل أو نرفزة أو مصلحة ضيقة ، فلا أحد خال من الملاحظة أو السلبية ، ولكن ليس كل منا من يستطيع الحفاظ على توازنه في ظل المعطيات القائمة حيث الإحتلال المتفوق والإنقلاب المدمر والتأكل الذاتي المنهك .

كنا في واحد بالإحتلال  ، وأصبحنا بأثنتين بعد الإنقلاب ، وها نحن بثلاثة عناوين عدائية بفعل التأكل الذاتي ، ولذلك  إحموا أنفسكم وتمسكوا برئيسكم ، وحافظوا على برنامجكم وأخلصوا لشعبكم تلك هي المعادلة وليس هناك من سواها .


h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

في الذكرى الـ30 لمجزرة صبرا وشاتيلا: تقاطع الجريمة والهمج على الجسد

featured

أينما وطئت قدمه.. نبتت عشبة خضراء!

featured

ما هو أخطر من استبداد الحكام

featured

ماذا بقي من حزب العمل؟

featured

قرانهم وعقوقنا

featured

إسرائيل ومسألتها اليهودية المأزومة

featured

جرائم الشرف: المفهوم وموقع المرأة

featured

سياسة: أقْتُلْ عربيّا تُصْبِح بَطَلا