رغم التضخيمات الممسرحة في الأزمة الائتلافية المفتعلة التي تعصف هذه الأيام بأقطاب حكومة اليمين، إلا أنّ مشروع قانون "التهوّد العسكري"، الذي أقرّته الهيئة العامة للكنيست أمس بالقراءة التمهيدية، جديرٌ بالتأمّل كمشهد يلخّص العديد من عناصر أزمة دولة إسرائيل وحكّامها في ما يتعلق ببدعة "يهودية الدولة".
أولاً – أنّ إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم الذي يشكّل فيها الجيش مدخلاً ليس للمواطنة والهوية فقط، بل إلى الدين اليهودي نفسه، ما يظهر أنّ "العقيدة" الحقيقية و"العروة الوثقى"، إذا جاز التعبير، لهذه الدولة، هي العقيدة العسكراتية العدوانية؛
ثانيًا – أنّه بينما يحظى موضوع "يهودية الدولة" بإجماع شبه تام تقريبًا بين أحزاب السلطة من أقصى يمينها إلى أقصى "يسارها"، فإذا ما سئلت هذه الأحزاب حول تفسيرها لـ"يهودية الدولة" فسنجد تفسيرات وتصوّرات متناقضة بل متناحرة؛
ثالثًا – أنّ هذا الإجماع على "يهودية الدولة" يقوم في حقيقة الأمر على التنكّر لحقوق الآخر، الفلسطيني. أي أنّه تعريف سلبيّ، يقوم على إقصاء الفلسطينيين الباقين واللاجئين من دائرة الشرعية، ولكنه لا يقدّم تعريفًا إيجابيًا لحقوق أولئك اليهود الذين تدّعي إسرائيل أنها دولتهم القومية؛
رابعًا – أنّ موضوع "يهودية الدولة"، إذا ما أخرجناه من سياق التنكّر للحقوق الفلسطينية الوطنية والتاريخية، يتحوّل إلى تجاذب إسرائيلي-إسرائيلي وإلى جزء من دوامة الدين والدولة النابعة بدورها من تحويل اليهودية من دين إلى قومية، وتحويل اليهود من طائفة متعدّدة القوميات والثقافات إلى مجموعة قومية مصطنعة، مرتبطة بمشروع استيطاني إحتلالي يدور في فلك الاستعمار؛
خامسًا – أنّ الحركة الصهيونية، بطبيعتها الرجعية، قوّضت التيارات الدينية اليهودية المنفتحة والإصلاحية والتقدّمية، حتى أضحت المسألة نقاشًا بين متزمتين على شاكلة حركة "شاس" وفاشيين جدد على شاكلة "يسرائيل بيتنو".
ولشديد المفارقة، فإنّ هذه الحكومة لم تسقط، بعد، بسبب أزمتها السياسية والدولية، ولا بسبب عنصريتها المفضوحة، ولا بسبب عمالتها لحيتان الرأسمال، ولا بسبب إهمالها واستهتارها بأرواح مواطنيها، وإنما بسبب خلاف "فقهي" ليس من المفترض، في دولة طبيعية، أن تكون الدولة جزءًا منه.
()
