العلم الأحمر فوق الرايخستاغ النازي المهزوم
- لا مقارنة بين الابادة النازية وجرائم الاحتلال الاسرائيلي، ولكن نظام الاحتلال بكل جرائمه يستحق المقارنة مع جرائم النازيين التي نُفذت قبل الإبادة واستعملت كتحضير سياسي وذهني للمذبحة الرهيبة: وهل يمكن التنكر للشبه بين تشريعات الكنيست العنصرية والفاشية الجديدة في السنوات الأخيرة مع القوانين التي سنت في السنوات الأولى للحكم النازي؟
*علينا ان نتذكّر ونذكّر في كل مناسبة ان رؤية غروميكو ورؤيتنا نحن كشيوعيين حتى الآن لم تتحقق: البلاد التي كلنا نعيش فيها لم تقسم إلى دولتين، والدولة الديمقراطية المشتركة تحولت في الفترة الأخيرة لرؤيا يمينية هدفها تأبيد إذلال واخضاع الشعب العربي الفلسطيني للرؤية الصهيونية الكولونيالية*
بتاريخ 27 كانون الثاني 1945 فتح الضابط في الجيش الأحمر انطولي فبلوفيتش شفيرو بوابات معسكر الموت في اوشفيتس، وقاد جنوده إلى داخل المعسكر وحرر منه السجناء فيه. "كنت فخورًا جدًا لكوني من أوائل المحرِّرين" قال شفيرو، "ليس لكوني يهوديًا وإنما لأننا، الجيش الأحمر، حررناه". ان تحرير معسكرات الموت ودحر النازية في 9 أيار 1945 والنصر الكبير والتاريخي على معظم أنظمة الحكم الفاشية في أوروبا، لم يكن لتحدث بدون بطولة الجيش الأحمر السوفييتي، واحترامًا له نحن نجتمع كل سنة في هذه الغابة التي تسمى على اسمه.
لكن نصر الجيش الأحمر والذي نحييه اليوم لم يكن مجرد نصر عسكري: وإنما كان نصرًا عقائديًا وسياسيًا، نصرًا عبّر وما زال يعبر عن البديل الايديولوجي المثابر والحقيقي للوحش الفاشي – بديل علينا كلنا ان نحافظ عليه ونخلده ونتبناه كأسلوب نشاط. احد التعابير المؤثرة لهذا البديل كان خطاب اندريه غروميكو في الأمم المتحدة وبالضبط قبل 65 سنة (14 أيار 1947).
في الحرب العالمية الثانية تحمل الشعب اليهودي المصاعب والآلام التي ليس لها مثيل – ومن الصعب التعبير عنها عبر الأرقام الجافة لعدد الضحايا من اليهود الذين سقطوا على يد المعتدين الفاشيين. في المناطق التي كانت تحت حكم هتلر تعرّض اليهود تقريبا لإبادة جسدية كاملة. العدد الإجمالي لليهود الذين قتلوا على يد الجلادين النازيين يقدر بستة ملايين تقريبًا. عدد كبير من بقية اللاجئين اليهود في أوروبا صاروا بدون وطن، بدون مأوى ومصادر للعيش. مئات الآلاف من اليهود المتشتتين في بلاد أوروبية مختلفة في بحثهم عن وسائل المعيشة، وفي بحثهم عن مأوى، وقسم كبير منهم وجد في معسكرات نائية وما زال يعاني من ضائقة كبيرة. وقد حان الوقت لمساعدة هؤلاء الناس بالفعل وليس بالقول.
حقيقة انه لم تستطع أية دولة أوروبية غربية واحدة الدفاع عن اليهود أمام عنف الجلادين الفاشيين، تفسّر رغبتهم في إقامة دولة لهم. وليس من العدل في شيء ان لا تؤخذ بالحسبان هذه الحقيقة، وخاصة عندما نأخذ بالاعتبار كل ما مر عليهم في الحرب العالمية الثانية.
- حلول للشعبين
من بين البرامج المعروفة أكثر لاقامة نظام الحكم في فلسطين في المستقبل والتي ظهرت حتى ذلك الوقت يجب ذكر ما يلي:
1. إقامة دولة عربية – يهودية واحدة، تكون فيها حقوق متساوية للعرب واليهود.
2. تقسيم البلاد لدولتين مستقلتين – عربية ويهودية.
3. إقامة دولة عربية بدون الأخذ بالاعتبار حقوق السكان اليهودي.
4. إقامة دولة يهودية بدون الأخذ بالاعتبار بحقوق السكان العرب.
سكان فلسطين يتألفون من شعبين – العرب واليهود. ومن الممكن المحافظة بالشكل المناسب على مصالح الشعبين فقط من خلال إقامة دولة عربية – يهودية مستقلة ديمقراطية ثنائية – أحادية. هذه الدولة يجب ان تكون مرتكزة على إعطاء حقوق متساوية للسكان اليهود والعرب، والذي كان من شأنه ان يضع الأساس لتعاون مشترك بين هذين الشعبين لمصلحتهما المشتركة ولفائدتهما.
ولو اتضح ان هذه المعادلة لا يمكن تحقيقها بسبب سوء العلاقة بين اليهود والعرب لكان من الواجب فحص المعادلة الثانية، والتي لها كما للأولى توجد إمكانيات في فلسطين. معادلة موجهة لتقسيم فلسطين لدولتين مستقلتين – يهودية وعربية.
أعود واكرر ان حلا كهذا للمسألة الفلسطينية كان ضروريًا فقط في حالة، فيما لو اتضح، ان العلاقات بين السكان اليهود والسكان العرب في فلسطين في الحقيقة سيئة لدرجة انه لا يمكن ترتيبها ومن غير المؤكد اقامتها بشكل مشترك من خلال السلام.
وحتى ولو وجد في هذا الخطاب بعض الأقوال التي لا اتفق معها الا انه لا يمكن ان لا نلاحظ اللهجة الأممية التي تتضح من أقوال غروميكو كممثل الاتحاد السوفييتي في الأمم المتحدة: إلى جانب التعاطف والتضامن مع اليهود ضحايا النازية، وكذلك التماثل المؤيد لأبناء الشعب الفلسطيني، إلى جانب الاعتراف بحاجة اليهود الناجين من الكارثة إلى ملجأ سياسي – دولي، دعم بدون حدود لحقوق العرب الفلسطينيين مع وطنهم، وفوق ذلك كله: دعوة للاهتمام المتساوي مع شعبي البلاد، فيما إذا كان ذلك بواسطة إقامة دولة مشتركة للشعبين أو بواسطة تقسيم البلاد لدولتين ذات قوميتين.
الأممية الكامنة في أقوال غروميكو، وأعمال الجيش الأحمر في معركته ضد الفاشية وبتحرير أسرى النازية وقيم الشيوعية بشكل عام، تثبت كم كان أنصار "النظرة التوتاليتارية" (الشمولية) مخطئين حين يقارنون بشكل ثابت بين الفاشية والشيوعية. "النظرة التوتاليتارية" حيث المتحدثون الرئيسيون باسمها كانوا من البداية من الموالين للرأسمالية الامبريالية مثل زفيجنيف بججنسكي، فقد استعملوا كلمات كبيرة لإثبات انه لا يوجد فرق حقيقي بين الشيوعية والفاشية – وكلاهما وكل على حدة هوجما كإيديولوجيا وممارسة سياسة مضطهدة وظالمة.
- المعادلة الكاذبة مستمرة
في الأسبوعين الأخيرين تعود لتظهر هذه المعادلة أمام نتائج الانتخابات في فرنسا وبالأساس في اليونان. المحللون يعودون ويقارنون بين اليمين المتطرف وبين اليسار المتطرف، حسب أقوالهم، اللذين يهددان الديمقراطية بنفس الدرجة، ويحذروننا جميعا كي لا نخاطر بالذهاب وراء البدائل الاشتراكية والراديكالية من مدرسة "سيريزه" في اليونان أو "جبهة اليسار" في فرنسا. وبدون الاستهانة بالجرائم الستالينية، فإن المقارنة بين الفاشية والشيوعية غير صحيحة في الحالة الجيدة، وخطيرة في الحالة السيئة وكلها محاولة للمس بالنضال ضد العنصرية الطاغية، وضد العزل وضد عدم العدالة الاجتماعية التي تتعمق وتتسع في أوروبا تحت سيطرة ألمانيا بقيادة المستشارة اليمينية أنجيلا ماركل.
كذلك علينا ان نتذكّر ونذكّر في كل مناسبة ان رؤية غروميكو ورؤيتنا نحن كشيوعيين حتى الآن لم تتحقق: البلاد التي كلنا نعيش فيها لم تقسم إلى دولتين، والدولة الديمقراطية المشتركة تحولت في الفترة الأخيرة لرؤيا يمينية هدفها هو تخليد إذلال واخضاع الشعب العربي الفلسطيني للرؤية الصهيونية الكولونيالية. الاحتلال المتواصل والمتشدد يجلب معه نزعات متطرفة أكثر وأكثر من العنصرية والفاشية: وإذا كانت قبل 40 سنة عند تأسيسها اعتبرت حركة الليكود كيمينية متطرفة، فها هي"هتحيا" بعد ذلك تحولت للرمز المتطرف أكثر من الليكود المعتدل، وهكذا استمر هذا الفيضان العكر بالاتساع على شكل "موليدت"، "وتسومت" وما شابههما، حتى وصلنا إلى ما وصلنا اليه: حيث ان الكهانية التي يمثلها أعضاء "الاتحاد القومي" غير معزولين بسبب زرع الكراهية، وإنما يحصلون على دعم واسع، حيث ان "الليكود"، "البيت اليهودي" و"إسرائيل بيتنا" تعتبر تقريبا في الوسط السياسي المتزن! وكما جاء في مؤلفات المفكرين البير مامي وفرانس فنون، وكل واحد بأسلوبه الخاص – فإن كل احتلال يؤدي إلى عنصرية، لأنه بغية التسلط على شعب آخر، واقتلاعه واستغلاله وحتى قتله يجب ان تقوم بإذلاله: لإبرازه كأقل مستوى، خطير وغير مثقف يستحق مصيره هذا. وبهذا المفهوم، هناك مجال لمقارنة ألمانيا من سنوات الثلاثين (وليس بأي شكل من سنوات الأربعين) بإسرائيل اليوم.
صحيح أن كل مقارنة بين سياسة الإبادة النازية والسياسة الإسرائيلية في المناطق المحتلة تستحق التنديد والاحتقار – لكن نظام الاحتلال بكل جرائمه يستحق ويستحق المقارنة مع جرائم النازيين التي نُفذت قبل الإبادة واستعملت كتحضير سياسي وذهني للمذبحة الرهيبة: وهل يمكن التنكر للشبه بين تشريعات الكنيست العنصرية والفاشية الجديدة في السنوات الأخيرة مع القوانين التي سنت في السنوات الأولى للحكم النازي؟ وهل البند 71 لقانون خدمة الدولة 1933 والذي بناءً عليه يمكن فصل قاض من وظيفته اذا تبيّن من شكل ممارسته الوظيفة وقراراته ان نظرته لا تلائم الايديولوجيا الرسمية لألمانيا – يشكّل نغمة مألوفة؟! ألا تذكّر لغة الأوامر التي أرسلوها إلى بلال ذياب وثائر حلاحلة بسبب اعتقالهما الإداري، ولو قليلا، بلغة "اعتقال لغرض الدفاع" حسب نص 1933 والذي بموجبه "أنت تؤخذ إلى اعتقال إداري ، لمصلحة الأمن والنظام العام. السبب: اتهام بنشاطات معادية للدولة"..
في سنة 1943 كتب الشاعر نتان الترمان:
العِبرة
يبدأ هذا من الصغائر، من اصغر الأصغر
يبدأ هذا من السكوت ومن عدم الاقتراب
يبدأ هذا من جهل مفرط بالبرلمانية
في قوانين الفيزياء الأساسية
يبدأ هذا من سكوت مخفي ومتملق
ومن قلة اطلاع على ثقافة الانطلاق
يبدأ هذا من معرفة معلّلة بشكل غير كاف
من يستحق ان يُنقَذ ومن لا يستحق ذلك
يبدأ هذا من مثل هؤلاء الذين من أيديهم
يُطلب في يوم الحساب جزء ما من الدم
يبدأ هذا ... لكن لماذا نقولها حتى النهاية؟
هذا مستمر أيضًا
وحتى هذا اليوم!
(*) كلمة الرفيق عوفر كسيف، عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الاسرائيلي، في احتفال النصر على النازية هذا العام، في الغابة الحمراء
