مظاهرة لأمريكيين تقدميين ضد الحرب الوحشية على فيتنام (أرشيف)
التجنيد والتسييس
قد يكون المؤرّخ العسكري الأميركي فيكتور دايفيس ــــ هانسون يمينيّاً وعنصرياً، وبعض نظرياته التاريخيّة مغرقة في الثقافويّة، غير أنّ هناك شيئاً قيّماً في كلامه عن «جيش المواطنين الأحرار»، كنموذجٍ ولد بالتوازي مع الحكومات الشعبية، من اليونان القديمة الى جيش الثورة الفرنسية وجيوش الدّول\ الأمم في العصر الحديث. المعنى الحقيقي لـ«التطوّع»، لدى هانسون، هو في أن يقبل مواطنٌ حرّ بأن يخلع ثيابه المدنيّة ويتحوّل الى عسكريّ لأن بلده طلب منه ذلك، ولأنّه يعتبر أنّ هذه السّلطة شرعيّة ويحقّ لها أن تطلب منه القتال. هذا النّمط من الجيوش، يدفع هانسون في أكثر من كتاب له، يؤمّن معيناً لا ينضب من الجّنود ــــ وبكلفةٍ رخيصة ــــ وقد كان يتفوّق غالباً على جيوش العبيد أو المرتزقة. هنا ايضاً، يقول العديد من الخبراء، يوجد تضليلٌ في تسمية الجيوش المحترفة بـ«جيوش تطوّعٍ» كما يفعل الأميركيّون، فأن تكون العسكريّة بمثابة «مهنة»، مقابل بدلٍ ماديّ وضمانات، هو أقرب الى نموذج «المرتزقة» منه الى التطوّع (يروي كينيث غريفيث أنّه خلال الحرب العالمية الأولى، حين طرحت فكرة رفع الرواتب والحافز المادي لاجتذاب حاجة الجيش من «المتطوعين» والتخلّي عن التّجنيد، أجاب سيناتور أميركي بأنّ الرواتب حينها كانت أصلاً مرتفعة للغاية بالمقياس العالمي، وأنّ أيّ زيادةٍ لها ستضعها خارج نطاق المنطق ــــ وهو ما حصل بعد فييتنام، حين تحوّل الجيش الأميركي الى فرصةٍ نادرة للشباب الفقير وغير المتعلّم، أو المهاجرين الجدد، لبدء حياةٍ مهنيّة مقبولة أو الدراسة على حساب الدّولة).
كما يقول تشارلز تيللي، فإنّ للدولة علاقتين أساسيتين مع المجتمع، الأولى هي استخراج الضرائب (وهذه أساساً علاقة مع البرجوازية والأثرياء، الذين يدفعون أكثر الرسوم ويتحكمون بالاقتصاد) و، ثانياً، بناء الجيوش وشنّ الحرب ــــ والعلاقة هنا هي مع الشرائح الفقيرة من الشّعب. بهذا المعنى، حين تحوّلت اميركا الى الجيش «المحترف» على الطريقة الرومانيّة فهي كانت، عمليّاً، تبتر علاقةً أساسيّة مع سواد النّاس، وتستغني عن حاجتها اليهم.
لم تكن حرب فييتنام مشكلة للدّولة من جهة الخسائر والاحتجاج فحسب، بل كانت اختباراً لحدود الديمقراطيّة في اميركا. الدّيمقراطية بالمعنى الليبرالي هي دائماً أسهل تطبيقاً كلّما كانت نخبويّة أو اقصائيّة (بمعنى أنّه من الأيسر لك أن تمارس الـ«ديمقراطية» في الجامعة الأميركية في بيروت، مثلاً، حيث الأكثرية تنتمي الى طبقةٍ واحدة ومصالحها وثقافتها تتشابه، من أن تمارسها على مستوىً أوسع تختلط فيه الطبقات والأولويات والمشاكل). بالمعنى ذاته، فإنّ الجيش الأميركي والميليشيا، حين كان مكوّناً حصراً من مواطنين بيض، كان أكثر استقراراً من جيش فييتنام الذي كاد أن ينفجر بالتوتّرات العرقيّة. من الأمور التي يتجاهلها التاريخ الرسمي هو أنّ ما هزم أميركا في فييتنام لم يكن العدوّ وحده، بل ترهّل الجيش وفقدان الانضباط داخله، وهو ما تثبته التقارير العسكرية من تلك الفترة. وصلت الحالات التي اتّهم فيها جنودٌ (أكثرهم سود ومن الأقليات) بقتل ضبّاطهم (وغالبيّتهم من البيض) في فييتنام الى ما يُقارب الألف، وهذه نسبةٌ مرتفعة بأيّ مقياس. بل إنّ المجنّدين، في السنوات الأخيرة للحرب، أصبحوا يرفضون صراحةً تنفيذ أوامر رؤسائهم حين تنطوي على خطرٍ عليهم. «جيش المواطنين»، حين أصبح يعكس تكوين المجتمع الأميركي حقيقةً، لم يعد قابلاً للاستمرار.
خاتمة
كما كتب جوزيف مسعد، فإنّ النّظر الى التّجربة الأميركيّة كخطٍّ مستقيم صاعد، وتخيّلها كديمقراطيّة «تتفتّح باستمرار»، يعمينا عن التطوّر الفعلي للتجربة السياسية الأميركيّة (أنّ الوجه الآخر لإلغاء العبودية مثلاً، كانت قوانين الفصل العنصري، وأنّ إعطاء الحقوق المدنيّة قد تبعه مباشرةً تحويل المدن الأميركية الى «غيتو»، وعزل السّود اقتصاديّاً واجتماعياً، الخ). نظرتي هي أنّ حرب فييتنام كانت مفصليّة في إبعاد عموم النّاس عن السياسة في اميركا، وانتفاء «حاجة» الدّولة اليهم وحصر العلاقة معهم بالضرائب والتصويت ــــ أو التحوّل المضطرد نحو نموذج الديمقراطيّة الشكليّة. من الممكن أن نرسم خطّاً سببياً بين اكتمال الجيش المحترف ووقف التجنيد من جهة، وبين انقلاب النّخب الحاكمة، منذ السبعينيات، على أكثر المكتسبات الاقتصادية التي تراكمت لعموم المواطنين، وعقد اتفاقات تجاريّة تضرب الطبقة العاملة، من دون اكتراثٍ للملايين الذين يتمّ افقارهم ــــ أو خوفٍ من ردّة فعلهم. هذا النّمط الجديد، حيث الدّولة «مستقلّة» بالكامل عن أكثرية الناس، أعطى النّخب الحاكمة هامشاً هائلاً في تقرير السياسات، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى الحروب والمغامرات الخارجية (الفارق بين حالة فييتنام وبين فشل حركة «لا للحرب» في العراق ــــ على الرغم من كلّ التظاهرات والجّموع ــــ يكمن في الفارق بين الجيشين وعلاقتهما بالمجتمع).
الفكرة الأساس هنا هي عن طبيعة الديمقراطية والمشاركة الشعبية، وأنّ أحد أهمّ معاييرها يذهب الى ما هو أبعد من شكل النّظام أو حقّ الاقتراع أو انتظام الانتخابات، وهو ما يسمّيه سمير أمين «تسييس الجماهير» ــــ و«الجيش الشعبي»، الحقيقي والذي يملك شرعية، هو أحد أهمّ أدوات «التسييس». ما أسقط الاتّحاد السوفياتي، في نظر أمين، كان الحكم البيروقراطي الذي أخرج النّاس من السياسة والتنظيم، فلم يخرج أحدٌ تقريباً للدفاع عن بلده حتّى وهو يُسرق أمام عينيه. ما يصنع الفارق بين النظامٍ الذي يسقط لدى أوّل تحدّ (كما حصل في عراق صدّام حسين) وبين ذاك الذي يصمد في وجه أعتى الظّروف، يبدأ في وجود شرائح شعبيّة تملك ايديولوجيا وتنظيماً، وتكون مستعدّة بقناعة للدفاع عن قضيّتها. اميركا، لأسبابها الخاصّة، تطوّرت صوب جيشٍ «نخبويٍّ» غير مسيّس، يتحكّم به الحكّام في واشنطن والمؤسسة الصناعية\ العسكرية بدرجةٍ عاليةٍ من الحريّة؛ ومواجهة التحدّي الأميركي تبدأ عبر فهم هذا الجّيش «الامبريالي» وتاريخه السياسي، ومعرفة مزاياه وحدوده.
