صُنِعَ الفلسطينيّ النَقيّ، التَقيّ، من مادةِ الحُبّ، ولا مُساوَمة على ذلك. وحين تتفاعلُ كيميائياً، جُزيئاتُ الحُبّ الفلسطينيّ مع إرث الكلمة وعنفوانها، التي خطّها زيّاد، محمود والقاسِم، وما قبلَهُم من أنبياءِ الكَلمة والشِعر، تَنتُجُ مادةً مُسجّاةً بالأملِ المُتَدَفقِ على مَهلٍ من جُرحٍ يأبى النِسيان.
نَشوَة بلاغة اللغة العربيّة ونَحوها تَكمُن في المجاز والاستعارة والكنايّة وفي تحديد أساليب الجُمل ومواضِع الكلمات. والكَلمة، كما كُلُّ شيءٍ، تَرتَبِطُ مفاهيمها بظروفِ الحدثِ والخصائِص الزمنيّة والمكانيّة لهُ. فليّست اللغة، ببلاغتها ونَحوِها، إلّا فنَّاً تعتَمِد الإدراك الفِطريّ والتلقائيّ ودِقة إدراك جماليّتها. فثَمِلّتُ، وما زِلتُ، على سيمفونيّة مشاعر الدرويش، محمود الكلمة والصيّاغة والموقِف. وما زالَ الثَورِيّ الّذي فِيّ يعبقُ كبرياءَ مفردات الزيّاد وتوفيق تداعياتها، خاصةً الوطنيّة منها. أمّا سميحُ الكلمات وكَرمَها، يُزلزِلُ قامتي المُنتصبة تحَدِيّاً لإملاءات الواقع المَفروض والمَرفوض.
قد أكون الأقلَّ حظاً بين كثير من الرِّفاق والأصدقاء الّذين عايَشوا الزيّاد والمحمود والقاسِم، وقد أكون الأوفِرَ حظاً ككثير من الرِّفاق والأصدقاء لارتباطي اللامُتناهي باللغة، بلاغةً ونَحواً. فنادنا توفيق لنَمشي منتَصبي القامة كالقاسم ونُحبُّ فلسطين بقدرِ ما أحبها ذلكَ الدَرويشيّ محمود.
أخيراً، عُذراً يا أتقياء الكلمة والمَوقِف، من هشاشةِ العربيّ والفلسطينيّ غير القارئ الّذي تَبَرَّجَ بالطائفيّة والتجزيئيّة واتكأَ على عكاكيزِ الكراهيّة واندَرجَ في قوائِم التَمَلُّق العالميّة. سامحونا، فبعضنا لم يَصُن أمانة الوحدة الوطنيّة ولا التئام روابطنا الاجتماعيّة. أصفحوا لنا في زمانِ "الداعشيّة" وزعامات "الكَرتون" والقيادات مُنتهيَة الصَلاحيَّة. اغفروا لنا، فقد تهالَكنا وتَساقطنا وأذلّتنا القِوى الغربيّة في حين تصاعُد الرجعيّة العربيّة. فَذَكِّرونا كالعِراقيّ الكريم "قبلَ أن نغفو على أيِّ وِسادة، أينامُ الليلَّ من ذَبحوا بلادَ؟".
سلامٌ لكُم وعليكُم،
زيّاد، محمود والقاسِم،
وما قَبلَكُم من أنبياءِ الكَلمة والشِعر.
*الكاتِب طالب لقب ثانٍ بجامعة حيفا وعضو جبهة الناصرة