لا أعتقد أنّ السلطة الفلسطينيّة، بكافة هيئاتها ومسؤوليها، يعتريها الارتباك، أو العجز، أو التأتأة، أو الغموض، أو ...، إذا طُلب منها أن تصف حال الشعب الفلسطينيّ، وأن تحدّد أهدافه السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الآنيّة والمستقبليّة؛ فهي تتقن الشرح بعاطفة جيّاشة، وبمنطق سليم وحجاجيّ، وبلغة جسد أصيلة وداعمة ومؤكّدة و...ولكن!
لا أشكّ بقدرة السلطة الفلسطينيّة في توصيف آثار ونتائج الاحتلال والعدوان والمأساة والنكبة والتشريد واللجوء والأسر والاستغلال والإفقار و... على حياة الشعب الفلسطينيّ، وكذلك على حياة الشعب الإسرائيليّ و... ولكن!
لا أشكّ أبدًا في رغبة السلطة الفلسطينيّة في أن يعيش الشعب الفلسطينيّ حياة حرّة وكريمة في دولة ذات سيادة وبعلاقات حسن جوار و... ولكن!
إنّ معرفة السلطة ورغبتها وإرادتها ونواياها الحسنة هي شروط ضروريّة، لكنّها غير كافية لإيصال الشعب الفلسطينيّ إلى أهدافه المنشودة، أو لحماية حتى شجرة فلسطينيّة من بطش المحتلّ!
لأنّ حياتنا مركّبة من زمن، علينا أن نسأل: متى وكيف وبأيّة وسائل نصل إلى الأهداف التي تؤمن بها السلطة؟!
كشف داني دانون، نائب وزير الدفاع الإسرائيليّ، عن ما يفعله بنيامين/بيبي نتنياهو رئيس الحكومة الإسرائيليّة، ولا يصرّح به إلاّ لأسياده في الغرف المغلقة وفي البؤر الاستيطانيّة: بأنّ حزب الليكود والحكومة الإسرائيليّة يعارضان قيام دولة فلسطينيّة، وأنّ بيبي يواصل دعوة الفلسطينيّين إلى محادثات؛ لأنّه يعلم بأنّ إسرائيل لن تصل إلى اتفاق معهم.
لم ينبس يائير لبيد، الواعد والموعود برئاسة الحكومة، ببنت شفة؛ فماذا نترجّى منه؟
ماذا مع دهاء جون كيري وضغطه والإدارة الأمريكيّة من أجل استئناف المبادرة السياسيّة؟
توقّع الفلسطينيّ من زيارة أوباما للمنطقة أن تحيي حلّ الدولتين، وأن توقف الزحف الإسرائيليّ إلى دولة واحدة عنصريّة/دولة أبارتهايد؛ فما كان منه إلاّ أن طالب الرأي العام الإسرائيليّ أن يدعم رئيس حكومته في سياسته وقراراته، ومن الرأي العام الفلسطينيّ أن يدعو السلطة إلى استئناف المفاوضات بدون شروط وبدون جدول زمنيّ وبدون تحديد سقف ومرجعيّة و...!
إذًا، ما الحلّ الذي يحمله كيري ويحاول أن يفرضه؟!
كتب إيتان بنتصور، مدير وزارة الخارجيّة الإسرائيليّة السابق، المطّلع على خفايا وخطط الإدارة الأمريكيّة والقيادة الإسرائيليّة، في جريدة "هآرتس" يوم 10-6-2013: "أنّ الحلّ يكمن في عقد مؤتمر دوليّ للسلام، بمشاركة جميع الدول العربيّة، على نسق مدريد في 1991"؛ كي يحرف الأنظار في المنطقة عن القضيّة الفلسطينيّة، ويركّز على تطبيع العلاقات بين إسرائيل والدول العربيّة الهادئة، وعلى استغلال الثروات المشتركة؛ لينعش الحياة الاقتصاديّة في المنطقة!
في هذا السياق، وارتباطا بالمؤامرة الأمريكيّة جاءت تصريحات نبيل العربيّ وحمد بن جاسم عن تبادل الأراضي، اعتمادا على تزييف المبادرة/الإرادة العربيّة، والاتفاق على تجنيد المبالغ الماليّة ورصدها للقفز عن البنود الأساسيّة في المبادرة العربيّة للسلام، التي تدعو إلى انسحاب إسرائيل الكامل إلى حدودها الدوليّة، المعترف بها، قبل الرابع من حزيران 1967، وإلى إنشاء دولة فلسطينيّة ذات سيادة و... والانتقال "دوز دوغري" إلى الشقّ ّالثاني من المبادرة الذي ينادي باعتراف وتطبيع العلاقات بين الدول العربيّة وإسرائيل، واعتبار النزاع العربيّ الإسرائيليّ منتهيًا؛ فيجتهد كيري في إنشاء علاقات "طبيعيّة"، مبنيّة على أساس التعاون/التحكّم الأمنيّ والاقتصاديّ بين الأردن وإسرائيل والسلطة، خصوصًا في المجال السياحيّ، وفي استثمار منطقة البحر الميت و...!
لكن، ماذا إذا أخذ الشعب الفلسطينيّ زمام المبادرة، وبدأ بالزحف المقدّس نحو شمس الحريّة؟
عندئذ يفهم الصخر ما يفهمه البشر!
