ثرثرة فوق دوار عبد الناصر في كفر مندا

single
قد يبدو الامر طبيعيا والنقاش ديمقراطيا وقانونيا ويأخذ مجراه الطبيعي بين مؤيد ومعارض لو بقي في حدود القرية وجوارها وفي اطار المعنيين بالموضوع من سكان القرية. وكان لافتا موقف رئيس المجلس المحلي في كفر مندا السيد طه عبد الحليم الذي اعتبر صادقا ان التسمية كانت امرا طبيعيا جدا، وابدى استغرابه ودهشته من النقاش والثرثرة حول الموضوع، وهذا موقف بحد ذاته مشرفا مبدئيا صادقا وطبيعيا تماما كموقف الجبهة التي دعت الى التسمية لما يحمله الرجل من رمزية واجماع وطني وقومي يتعدى حدود مصر وحتى حدود الوطن العربي كشخصية عالمية لعبت دورا محوريا في قضايا الشرق الأوسط والعالم.
في المقابل ليس غريبا ان يخرج الرفض للتسمية من عباءة الاسلام السياسي لان عبد الناصر رفض وحارب بكل قوة الاسلام السياسي الوهابي التكفيري والإقصائي الذي نكتوي بناره اليوم في سوريا وليبيا والعراق ومصر واليمن، وسنكتوي بناره حتى على دوار صغير في قرية عربية مثل كفر مندا، مقابل فكر وطني قومي تقدمي وحدوي انساني يجمع العالم العربي بأسره تحت راية العروبة ويلتزم بمبادئ واخلاق الدين الاسلامي الحنيف.
ما شدني لكتابة مقالتي هذه هو الاهتمام الغريب للصحافة المصرية والإسرائيلية المحلية والعالمية على حد سواء بنقاش داخلي في قرية عربية فلسطينية داخل دولة إسرائيل، لا يتعدى سكانها العشرين الفا حول تسمية دوار قيد الانشاء على اسم الزعيم الخالد جمال عبد الناصر. وهو ليس الأول ولن يكون الأخير.
الصحافة الإسرائيلية استغلت النقاش ورمزية التسمية لتقول، العرب يختلفون على كل شيء حتى على اسم عبد الناصر رمز تحررهم، لتظهر للعالم تشرذمنا وعمق الصراع والخلاف بيننا الذي وصل الى رموزنا القومية المتمثل بشخص عبد الناصر، ولإظهار قوة وسطوة الفكر الديني على الشارع العربي حد نفي الرموز الوطنية وعدم الاجماع عليها واخضاعها للنقاشات المحلية.
والمضحك المبكي ان الصحافة المصرية لم تستوعب ان الصحافة الاسرائيلية تصطاد في المياه العكرة، وان النقاش يدور بين تيارين: بين التقدمي الوطني العروبي وبين التيار الديني الذي يرفض فكر وارث جمال عبد الناصر الوطني والقومي، فذهبت خلف الصحافة الإسرائيلية، ترجمت الخبر مشوها وفهمت منه عن قصد او عن غباء مطبق ان الحديث يدور حول مستوطنه صهيونية قررت ان تسمي دوارا على اسم عبد الناصر، وان الحركة الإسلامية تعترض على هذه التسمية، لانها ضد فكر عبد الناصر. عبد الحكيم عبد الناصر نجل الرئيس عبد الناصر شكك بصدق الخبر دون ان يفهم ملابسات القضية، واستبعد ان يكون الامر حقيقيا لما يحمله الصهاينه لوالده وفكره التحرري من عداء.
من المفارقات العجيبة ان مخيلتي ترفض رفضا قاطعا ان تتخلى عن ذكرى عبد الناصر في كل مرة يثار اسمه للنقاش. وهو في ذاكرتي يرتبط ارتباطا وثيقا بدموع امي المنهمرة وهي جالسة في احدى زوايا بيتنا القديم امام اطفالها تبكي وفاة الرئيس الخالد جمال عبد الناصر بحرقة والم شديدين، في حين اخذ والدي كرسيا في زاوية اخرى يبكي مثلها، وشاركهم البكاء كل اهالي قريتي الوادعة الصغيرة وفي ظنهم ان كارثة قد حلت بهم وبشعبهم.
كنت طفلا صغيرا عندما حدثني والدي عن المنقذ لامتنا، عن هذا البطل الشجاع الذي تحدى كل قوى الظلم والعدوان وقف امام اعتى دول العالم الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا واسرائيل، البطل الذي بني السد العالي في اسوان ومصانع الحديد والصلب في حلوان، البطل الذي تحدى الاقطاع والاقطاعيين ووزع الارض الزراعية على الفلاحين والفقراء من عامة الشعب، البطل الذي كتب فلسفة الثورة وقاد شعبه في احلك الظروف واقساها. البطل الذي حررنا من قيود العبودية التي كبلتنا بها الامبراطورية العثمانية من تتريك الى تهميش، فرفض الاسلام السياسي وحارب الحركات السلفية والاسلامية السياسية بكل قوة وعزيمة، فحرر الاسلام من متعصبيه ومن تجاره المتقنعين به، البطل الذي قال لنا بكل عزة وشموخ "ارفع راسك يا اخي انت عربي". البطل الذي بدا مشروع الوحدة ورأى البعد الاستراتيجي والقومي في الوحدة بين جميع الدول العربية. بكاه ابي وامي وبكيته معهم ليس فقط لأنه مات بل لانه لم يكمل الطريق لم ينهي المشوار، لم يصل بمشروعه الى مبتغاه، بكيناه حينها لاننا لم نر رجلا بديلا له بقامته وبفكره يحمل الراية ويكمل الطريق، بكيناه بصدقنا بإيماننا بثقتنا وقناعتنا بصدقه واخلاصه.
انا وجيلي ومن عايش تلك الفترة كبرنا وتربينا على ثقافة مصر عبد الناصر، على ادب توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وانيس منصور واحسان عبد القدوس ومحمد عبد الحليم عبد الله، وطه حسين، ويوسف السباعي ومصطفى محمود وعشرات غيرهم من عمالقة الفكر والثقافة، وتربينا على فن محمد عبد الوهاب وعبد الحليم حافظ وفريد الاطرش واسمهان وام كلثوم والعشرات غيرهم.
امام هكذا انسان نفذت شخصيته الى قلوب الملايين فاصبح رمزا من رموز امتنا، امام شخصية دخلت التاريخ من اوسع ابوابه وأصبحت رمزا لا يقل أهمية في التاريخ المعاصر عن شخصية المهاتما غاندي ونلسون مانديلا، والخميني ولينين، وجورج واشنطن وابراهم لينكولن، وكل نقاش يتجاهل هذه الحقائق يتحول الى ثرثرة فوق دوار عبد الناصر في كفر مندا.
قد يهمّكم أيضا..
featured

ما بين الألوان والشخصيّة

featured

عادات وتقاليد مستحبّة

featured

هل تتجه "حماس" من الاسلام المقاوِم الى الاسلام المساوِم؟!

featured

الموت على حاجز الحمرا

featured

أبو ابراهيم الكادح المخلص لطريق الكفاح

featured

رباعيّة الرّحيل

featured

أمسك بالقلم ولمّا يتركه يهدأ

featured

إعلان إقامة الدولة