أمسك بالقلم ولمّا يتركه يهدأ

single
  • لا يكتب د. بولس ذلك وعظا ولا تنظيرا بل تفكيكا ونقدا وتحليلا لما آل إليه حال الكِتاب والكتابة والكُتّاب. مقالة مضيئة تكشف المستور من الظاهرة وتردّها إلى أصولها

غمس أصابعه بالحبر وقال لنا "هذا كلّه لكم"! كتب بمسؤولية وأنتج مسكوناً بتحدٍ دائم أن يأتيَ بالجديد والمُدهش. فكانت نصوصه مُشرقة في صفحات جرائدنا ومواقعنا. وكانت مداخلاته تحديات فكرية خالصة

 

أودّ بداية أن أثني كغيري على أصحاب فكرة هذه الأمسية التكريمية،
وأؤكّد مثلهم على أهمية أن يحظى المبدعون والمثقفون منّا بالتفاتة أو عناق. فهم الذين يضيئون العتمة ويحفظون الروح من العطب ويفتحون لنا الآفاق. ود. حبيب بولس واحد من طليعة هؤلاء.
لمِن دواعي اغتباطي أن أكون في هذا المقام المكرّس لتكريم د. حبيب بولس. وأفعل ذالك باسمي وباسم طاقم وادارة دراسات ـ المركز العربي للحقوق والسياسات، وباسم زملاء د. بولس من الاكاديميين العرب الذين انخرطوا في العمل الاهلي والجماهيري في مسيرة واحدة رائعة جمعتنا به.
كان لي شرف التعرّف إلى المحتفى به بشكل مباشر في تقاطعات ثقافية واجتماعية عدة، آخرها في مساحة الكتابة والإبداع حين طلبنا إليه تزويدنا بمقالة له يحتضنها كتاب دراسات الأخير. وقد فعل، مشكورا مرتين: في المرة الأولى، على تلبية الطلب بدماثته المعهودة، وفي الثانية على مضمون مادته التي أعتبرُها تحريضا على القراءة وحثّا على معاشرة خير جليس في هذا الزمان.
مقالة كانت من نصيبنا، تشكل ربما أنموذجا لطريقة د. بولس في تناول مواضيعه. سهلة في أسلوبها ممتنعة فيما تطرح وتُسائل وتنقد وتكسّر وتبني. وهي سمة من سمات د. حبيب بولس الذي لا ينفكّ يكتب ويُنتج نصوصا نقدية نحن في أمس الحاجة إلى مثلها. فهو من النُخبة التي أمسكت بالقلم ولما تتركه يهدأ ولم يتركنا على راحة بالنا.
غمس أصابعه بالحبر وقال لنا "هذا كلّه لكم"! كتب بمسؤولية وأنتج مسكوناً بتحدٍ دائم أن يأتيَ بالجديد والمُدهش. فكانت نصوصه مُشرقة في صفحات جرائدنا ومواقعنا. وكانت مداخلاته تحديات فكرية خالصة.
وأسوق هنا نموذجا من مقاله الأخير في كتاب دراسات، وأقتبس: "هل هناك فعلا أزمة قراءة محلية؟" يسأل بولس. "الإجابة عن ذلك: نعم، رغم ما فيها من حرقة". ويضيف:
"ونحن إذا نظرنا بجدية إلى هذه الأزمة نجد كم هي خطيرة تهدد حياتنا الثقافية والحضارية ومستقبلنا العلمي والفكري. ولكونها بمثل هذه الخطورة علينا- إذا أردنا التطور- أن نتجند جميعا وبسرعة لتطويقها ومحاصرتها قبل تفاقمها".  
لا يكتب د. بولس ذلك وعظا ولا تنظيرا بل تفكيكا ونقدا وتحليلا لما آل إليه حال الكِتاب والكتابة والكُتّاب. مقالة مضيئة تكشف المستور من الظاهرة وتردّها إلى أصولها. هكذا هو د. بولس: يسمي الأشياء بأسمائها مهما يكن، يربط بين المحليّ والإقليمي، بين الشخصي وبين العام، بين الحاضر وبين التاريخ. ناقد ثاقب العينين حاد التشخيص يرى الظواهر في حركتها ويتابع سيرورتها حتى يأتينا بالإجابات، غير المتوقعة أحيانا، على أسئلة وفرضيات اعتبرناها في حكم المنتهية.
ولا يكتفي د. بولس بطرح السؤال وبالتشخيص بل يجتهد في طرح الحلول مستندا إلى حدسه وخبرته وتأمله. وهو ما عودنا عليه في كتابته النوعية التي تستحق، هي أيضا، كمُبدعها، التكريم والاحتفاء.
واسمح لي أيها العزيز في هذا المقام أن أشكرك باسمي وباسم دراسات ـ المركز العربي للحقوق والسياسات ثلاث مرات:
في المرة الاولى على عطائك،
وفي الثانية على نوعية وتميز هذا العطاء،
وفي الثالثة على انسانيتك الرائعة.

 


*ألقيت الكلمتان في حفل تكريم حبيب بولس في قاعة المركز الثقافي في كفر ياسيف مساء يوم الجمعة 3/2/2012

قد يهمّكم أيضا..
featured

وسواس الاكثرية اليهودية

featured

خطاب نتنياهو، مكرهة بيئية

featured

الحرية للشعب السوري... شُلت يد القتلة... ليتوقف التدخل الامبريالي في سوريا

featured

السلطان يستولي على "زمان"

featured

حزب دائم الخضرة.. عصيٌّ على الشيب

featured

هل يجري عدوان جديد على غزة؟