لا حاجة لجهد تفكيري كبير كي نتخيّل سيل التفجّع الذي كان سيندلع، لو أن حكومة مناهضة للولايات المتحدة الأمريكية أغلقت صحيفة أو حاولت السيطرة عليها. لكن الأمر يختلف تمامًا حدّ التناقض حين يتعلق بأنظمة تحت الحماية الأمريكية.
نظام رجب طيب أردوغان قام في وضح النهار بمحاصرة صحيفة "زمان" والاستيلاء عليها ومنع التظاهر الاحتجاجي، بقنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي – كما أفاد، في اليومين الأخيرين، مواطنون وصحفيون كانوا يغطون تحرّكات الغضب. قوات بوليسية خاصة متخصصة بمكافحة الارهاب (!) داهمت مقر الصحيفة باستخدام القوة المفرطة. جاء نواب برلمان إلى الصحيفة للتضامن إلى جانب آلاف من القراء فقوبلوا كلهم بالغاز المسيل للدموع وتم إغلاق الشارع بالحواجز. مشهد احتلالي تمامًا.
لقد سبق لهذا النظام التركي اغلاق مواقع تواصل اجتماعي نُشرت فيها انتقادات لسياسته، وهو يعدّ لدستور يحوّل الرئيس الى سلطان واسع الصلاحيات، منها إصدار قوانين واختيار وزراء، على حساب حماية حقوق الأقليات والحريات الديمقراطية.
تركيا عضو في حلف الناتو الذي خطط وأدار وشنّ حروبه كلها تحت شعار "الديمقراطية"! فلماذا "يُسمح" لنظام أنقرة بكل هذه الانتهاكات؟ لأن الديمقراطية الحقيقية ليست ما يشغل زعماء الناتو. لأن الديمقراطية لديهم مطّاطيّة أو مطيّة.
ويكفي النظر الى أكثر حلفائهم "إخلاصًا" – تلك الأنظمة العربية الرجعية المؤلفة من عائلات مالكة! أين يوجد تسويغ لحكم العائلات المتوارَث دون انتخاب ولا دستور ولا أنظمة قانونية، في طروحات وجامعات وإعلام الغرب بشأن ما يجدر أن يكون في السياسة الحديثة؟! لماذا تتبخّر نظريات الديمقراطية الحديثة حين تصل منطقتنا، فيتصادق زاعمو الدمقرطة الحديثة وأكثر الأنظمة جهلا وتخلفًا؟!
الجواب واضح وهو ان كل الحروب التي شنّها الناتو ويشنها، مباشرة أو بالوكالة، على العراق وسوريا وليبيا واليمن وغيرها، كانت اهدافها بعيدة عن مصالح الشعوب وحرياتها وسلامتها وأمنها وسلامتها؛ بعيدة عن كل قيم الديمقراطية والحرية والحقوق الطبيعية – بل كانت حروبًا لفرض الهيمنة وقواعد النهب فقط. هذه هي الحقيقة التي تثبتها جميع ممارسات الناتو ووكلائه وعملائه. وبورك كل من يحارب بشتى الطرق التي يختارها هذه المخططات والممارسات، وواضعيها ومنفّذيها!
