كان المرحوم خالد البسام واحدًا من قلة اهتمت بدراسة ما دعاه في أحد كتبه بـ "صدمة الاحتكاك" بالحداثة في بلدان الخليج والجزيرة العربية، وهو من أجل ذلك سافر إلى بريطانيا، ومكث فيها أوقاتًا ينقب في الأرشيف البريطاني عن كل ما هو على صلةٍ بذلك، كون الكثير من السجلات والوثائق غير متاحة إلا هناك، بحكم الهيمنة البريطانية الطويلة على بلدان المنطقة.
كما كان لخالد ولع بالتنقيب في المجلات والصحف العربية القديمة، يتسقط في صفحاتها أي خبر يتصل بالخليج والجزيرة العربية، أكان هذا الخبر سياسيًا أو ثقافيًا أو فنيًا. وهذا الولع لم يأت على سبيل إرضاء هواية في نفسه، وإنما أداة من أدوات البحث لديه، كي يقدم صورة عما كان عليه الحال في الخليج وهو يتفاعل مع نسمات الجديد، أكانت آتية إليه من الخارج، خاصة من محيطه القريب، أو نابعة من ضرورات التطور الموضوعي للمجتمع التي يفرضها منطق الأمور.
وكان خالد يصر في أحاديثه على أنه ليس مؤرخًا ولا باحثًا، ولم يكن الرجل يفتعل التواضع بهذا القول أو يدعيه، بقدر ما كان يرمي إفهامنا أنه لا يقيد نفسه بما يقيد الأكاديميون أنفسهم به وهم يضعون ورقة أو بحثًا ابتغاء نيل درجة أو رتبة علمية، وإنما كان هدفه أن يوفر المادة الخام التي يتعين "الشغل" عليها بغية تحليلها.
وفي المحصلة فإن ما تركه خالد من مؤلفات باتت مصادر يعتد بها لكل من يريد أن يبحث في "البدايات" في منطقتنا، بدايات كل شيء حديث: التعليم، الصحافة، دخول الراديو والتلفزيون، المسرح، السينما، تحرر المرأة.
وحين دخل خالد عالم الكتابة الروائية، وقد استوت تجربته في الكتابة على درجة من النضج تهيئه لذلك، فإنه لم يذهب بعيدًا عن منطقته الأثيرة في البحث، حيث جاء على لسان إحدى شخصيات روايته الأولى: "لا يوجد مصور في عنيزة" التالي: "أبشرك يا مساعد أنه صار عندنا مصور ولأثبت لك وتذكرني بخير أرسل لك صورتي التي التقطتها لتوي في السوق".
الدرب الذي سلكه خالد البسام، لا يزال بحاجة إلى من يسير عليه، وكما كان لخالد سابقون ومجايلون، حتى لو يقطعون فيه الخطوات التي قطعها، فإن الآمال تظل معقودة على أن يواصل جيل جديد من الباحثين مهمة هذا التنقيب في البدايات، حتى نفهم ديناميات التحول في الخليج من مجتمعات معزولة، محاصرة بالبحر والرمال والتخلف والهيمنة الخارجية، إلى مجتمعات جديدة، ونتعرف على تضحيات رواد راهنوا على ما كان يبدو ساعتها مستحيلًا، فربحوا الرهان، وفتحوا لنا آفاقًا ما كنا سنبلغها لولاهم.