الشيخ والآلام..!

single

التقيتُ  بالبروفسور أحمد العيسى، في موقف سيارات المستشفى الذي يعمل فيه مديرًا لقسم الأمراض الباطنية، وأنا في طريقي لعيادة صديق، أما هو فكان متوجها لسيارته لتقله الى بيته، بعد وردية مضنية استمرَّت ساعات لا تعد.
وأحمد العيسى كان أحد طلابي الذين تحتضنهم  الذاكرة وترتاح لوجودهم فيها وتأبى ان تفارقهم.
 "الله جابك"  يا أستاذ! إني ابحث عنك منذ زمن طويل! قال من بين طيات الإرهاق التي كانت تلفع وجهه، بموجات من التعب والهموم.
خير.. يا أحمد! هكذا تعودت ان أتوجه  له منذ الصف الرابع.
لقاؤنا بالصدفة، رحمني من عذابات التردد، في الوصول إليك! عاد ليتكلم بحياء،كما كان يتكلَّم معي،وهو طالب صغير.
وافترقنا وتواعدنا ان نلتقي بعد أيام في بيتي..
أمي.! أمي يا أستاذ! صرخ صرخة مكبوتة..
ما لها.. ماذا حدث لها!؟ سارعت في مدِّ حضن إحساساتي له ليتلفع بها.
إنها.. تموت! إنها تموت بين يدي!

***
أمه فقدت أباه وهو الثالثة من عمره، وترك لها طفلين، أحمد وأخته التي كانت في سنتها الثانية.
ورفضت كل عروض الزواج التي عُرضت عليها.. لقد كانت تتمتع بجمال أخاذ..
 كانت تَرُدُّ العارضين والطالبين ليدها قائلة: "انها ستهب حياتها لولديها..".
وعاشت تكدح بالصخر لكي توفر لهم " لُقَم"  الحياة وكساءها..
وصممتْ ان توفر لهما أسباب العلم ما داموا يطلبونه، فخرجت تطلب العمل في كل أماكن تواجده.. وفي جميع اشكاله.

***

لماذا!؟ ماذا حدث لها!؟  سألته كالمشدوه.
إنها ترفض  ان  تتعالج  لدى الأطباء.. حتى أنا! أتصدق- يا أستاذي!؟ استمر في بكائيته..
إنها تحتاج الى عملية عاجلة في الكبد..إنها حتمًا ستموت!!
قال من بين موجات من النشيج المبحوح..
من أين تطلب العلاج!؟ سألته وأنا أغوص في  حوّام مجنون.
لدى الشيخ.. الشيخ فؤاد.. إمام المسجد.. لقد أخذ عقلها..وقريبًا سيأخذ حياتها!

***
  الشيخ فؤاد هو ابن حارتي.. وابن صفي..لعبنا في طفولتنا معًا حتى منعني والدي من اللعب معه.. وأذاق المعلمين من ألوان العذاب، حتى أراهم النجوم في عزِّ الظهيرة.. ولما اشتدَّ ساعده، ابتعد عن كلِّ عمل يحصل منه على رزق، يجنبه الابتعاد عن الاعتماد على والديه وإخوته.
 حتى جاء يوم، تعرف فيه على شيخ من الخليل، فلازمه حتى تعلم على يديه شيئًا من علوم الدين واللغة، وقد وهبه الله موهبة الخطابة، فاستغل بناء وافتتاح مسجد جديد في القرية "فاستوطن" فيه، وأعلن عن تنصيب نفسه إمامًا له، وهدد بالويل والثبور، لكل من تسول له نفسه، أن يطعن في أحقيته في  هذا المقام.. ومنذ سنتين فتح "عيادة" يداوي فيه كل اليائسين من الشفاء، بعد ان عجز الأطباء في مساعدتهم، والعجائز والأرامل.. والذين "تأكل" حياتهم الخلافات العائلية والزوجية.. والثمن  "إللي بطلع من نفس" المريض، ملأ صيت معجزاته الآفاق، فتقاطرت عليه الناس من كل حدب وصوب، وقيل انه جمع ثروة.
 
***
أتدري- يا أستاذ - ما هي آخر وصفة دواء وصفها لها!؟
إستمرَّ أحمد في سرد عذاباته..
 ان تقرأ سورًا على قدر مملوء بزيت الزيتون، وتتحمم بها.. وبعدها تصلّي ركعتين.
ولما رجعت إليه شاكية عدم شفاء مرضها.. سألها:
هل صليت ركعتين قبل الحمام!؟
فأجابت: لا..لم تطلب مني! لقد طلبت مني أن أصلّي بعد الحمام..
فرد متسامحًا: لا يهم.. إن شاء الله سننجح في المرة التالية..
إنه يستولي على كل مخصصات التأمين التي تتقاضاها.. إن هذا  لجنون مطبق يا أستاذي..
 لقد قررت اللجوء إليك بعد ان سُدَّت أمامي كل طرق الحلول!
افترقنا بعد ان استعرضنا بعض الحلول، لعل وعسى ان تصل به الى نتيجة ينقذ بها أمه.
 بعد أيام التقيت بالشيخ فؤاد في البنك، سلّمنا على بعض، وبدأنا نتذاكر أيام المدرسة وشقاوتنا مع المعلمين فيها، وعندما سألته عن صحته في هذه الأيام، بدأ يشكو من آلام شديدة في بطنه، عجز الأطباء الكثيرون الذين توجه إليهم، عن معرفة مصدرها، وكل وصفات الدواء التي وصفوها له، عجزت عن تخفيف أوجاعه أو شفائه..
 وهنا لمعت الفكرة في ذهني..
فقلت مقترحًا عليه: لماذا لا تتوجه لإبن بلدنا البروفسور احمد العيسى، فهو رئيس قسم في المستشفى، ومن أشهر المختصين في هذا الموضوع  على مستوى البلاد، وإبن البلد لا يبخل على ابن بلده بشيء، وأنا مستعد ان أتصل به ، وأعين لك دورًا عنده، فهو طالبي القديم، وأنا على صلة به.
فتهللت أساريره، ورحّب بالفكرة، وصاح كطفل صغير وجد لعبته الضائعة:
يدي بيدك يا أستاذ! الله يقدرني على رد لك هذا العمل.. سأدعو الله ان يجزيك  خيرًا.
اتصلت بالبروفسور ورتبت معه موعد دورٍ للشيخ وقلت له:  "الباقي عليك!".
 توجه الشيخ في اليوم المحدد لدوره الى المستشفى، وعندما حان دوره، دخل العيادة، فرحب به الطبيب  ترحيب ابن البلد، وبعد ان فحصه، بدأ يكتب له الوصفة الطبية، وهو يقرأ ما يكتبه بصوت عالٍ:
 (غَلْي جرة من الزيت.. صلاة ركعتين قبل الحمام، وبعدها التحمم بالزيت، ومن ثمَّ صلاة ركعتين!).
كان الطبيب يقرأ كلمات الوصفة، كلمة..كلمة.. والشيخ تزداد درجة غليانه مع كلمة يضيفها، ولما طفح الكيل تفجَّر صارخًا:
 ماذا تفعل يا دكتور!؟ ما هذا الهراء الذي تكتبه!؟ 
"إحنا جايين هون  نتداوى  ولا نتمسخر!؟".
أنا كتبتلك أحسن دواء يا سيدي الشيخ! رد الطبيب وهو يتصنع الجدية والوقار.
هذا ليس دواء.. إنه عَمَى! صرخ وهو يمزِّق الوصفة حتى حولها الى قطع صغيرة.
"خذ وصفتك!" زعق  وهو يرمي قطع الورق باتجاه وجه الطبيب.
تمزيقك للورقة لخسارة فادحة..كنت تستطيع أن تعطيها لمريض جاء دوره بعد أمي! قال الطبيب وهو يحافظ على رباطة جأشه وجديته.
 فما كان من الشيخ إلا ان قام من مكانه، وفتح العيادة وخرج هاربًا، وسلَّم نفسه للدرج، ولم تساعده حالته على استعمال مصعد البناية.
بعد أيام دنت أم الطبيب من ابنها الطبيب وقالت له: يما إعْمَلِّي دورْ عندك..
والشيخ يا أمي!
 قلَّي: روحي اتعالجي عند إبنك أحسن!



(عرعرة)

قد يهمّكم أيضا..
featured

إنتكاسات في الجبهة الداخلية الفلسطينية

featured

خطة أوباما في الشرق الأوسط غير واضحة

featured

أم الفحم العزيزة، مهلا!

featured

تنازلات العرب وتعنّت اسرائيل

featured

المؤسسة الحاكمة هي من يقف وراء تنامي الفكر الداعشي!

featured

صفحات مأساوية من تاريخ أرضنا الحبيبة

featured

خطاب أوباما - ذئب في جلد أرنب