فرض وسيطرة العنف والجريمة على مجتمعنا العربي بشكل عام وفي التجمعات السكانية الكبيرة وبشكل خاص، كالناصرة وام الفحم والطيبة وكفر قاسم وغيرها، قد اصبحت سياسة ممنهجة ومرسومة ومخططا لها مسبقا من خلال التغاضي عنها او التقليل من خطرها. هذه السياسة تأتي ضمن مخطط عنصري سلطوي تنفذه حكومة اليمين ونتنياهو بالذات، واستشراس العنف والقتل والجريمة في مجتمعنا العربي بهذا الشكل المكشوف والمفضوح يثير الاشتباه بأن هناك من يراقب برضى عملية زعزعة الاستقرار والامن والامان وهز المجتمع العربي من جذوره، في محاولة جديدة من مسلسل محاولات سياسية قديمة جاءت بها السلطة لتعميق القمع والاضطهاد، والنيل من صمود الجماهير العربية في وجه سياسة الاضطهاد والتمييز القومي وتصدي هذه الجماهير لحملات التشريد والاقتلاع في مرحلة ما بعد النكبة 1948. وتصدي هذه للاخطار القادمة، من منطلق اليقظة الوطنية القومية وتعزيز النضال من اجل الحقوق الشاملة.
هذه السياسة المتبعة من قبل المؤسسة الحاكمة تهدف إلى التقليل من "خطر التواجد العربي" في الوطن وصد التغيير الديمغرافي لصالح المواطنين العرب اصحاب الجذور في الارض للثلاثين سنة القادمة مقارنة مع الاغلبية السكانية من اخوانهم اليهود. فالوضع بات وكأنه مثلما جاء وجود داعش في سوريا والشرق الاوسط كصناعة وبضاعة تجارية بمفهوم سياسة استعمارية موديل القرن الواحد والعشرين وانتاج البيت الابيض والادارات الامريكية المتعاقبة وباشراف اجهزة المخابرات بالتعاون والتنسيق مع حلفاء اوروبيين بمشاركة اسرائيلية وباشراف امريكي وتمويل سعودي قطري خليجي بهدف ضرب العرب بعضهم البعض، وتقسيم الاوطان العربية الحالية مثلما جرى في السودان ومناطق أخرى، من اجل حماية اسرائيل والدفاع عنها وجعلها قوية من اجل التحكم في كل الشرق الاوسط والعالم العربي والقضاء كليا في تبديد احلام الشعب الفلسطيني بالحرية والاستقلال والدولة والعودة والقدس، ومن اجل دب الرعب في نفوس الشعوب العربية الاخرى، وجعلها تتسابق في التعاون مع امريكا واسرائيل وطلب الحماية، مما يعني بيع نفسها واوطانها وتراثها بأبخس الاثمان للاجنبي الامريكي والاوروبي والاسرائيلي مقابل الحماية، مثلما فعل ويفعل المأجور سلمان وصبيه المتهور محمد، اللذان دفعا على الحساب في صندوق الحماية الامريكية 480 مليار دولار اخضر اللون للمهرج ترامب والحبل على الجرار لبقية المجرورات العربية والخليجية الاخرى.
تحاول حكومة نتنياهو واليمين الفاشي العنصري المعادي للجماهير الفلسطينية الصامدة في وطنها وارضها ان تجرّم هذه الجماهير وكأنها هي اساس الجريمة والعنف ومصدرها الاول، ثم ان تعزلها في خندق شطب الحقوق لأنها صمدت في وجه سياسة الترحيل، وتصر اليوم على انتزاع حقوقها اليومية والقومية بصفتها جزءا هاما وأساسيا من الشجرة الصامدة المعطاءة الشعب الفلسطيني ابي التضحيات الجسام. يبدو أن السلطة لجأت إلى ممارسة سياسة الانتقام فأبدعت في اختراع وتسويق العنف والجريمة وفتح المجال للاتجار بالسلاح وجعله في متناول الجميع، ثم اوجدت عصابات الاجرام ورعتها ودفعت بها للعمل بين اوساط الشباب والمجتمع العربي بالذات مع التركيز على مناطق ومدن معينة وتجمعات سكانية ترى السلطة فيها خطرا سياسيا وديموغرافيا على "امن الدولة" في محاولة لتفتيت وتهميش ومحو هذا المجتمع، للحيلولة دون تحقيق أي نوع من الوحدة النضالية حتى على ابسط واصغر الامور، ولو بين عائلتين متخاصمتين. فهي ترى بالاجيال الجديدة والشابة اكبر خطر على مجمل سياساتها العنصرية وبرامجها ذات السمة الترحيلية ممن يتولون سلم الكفاح والنضال من اجل الحقوق فالسلطة قادرة على ايجاد فئات شبابية تقبل بالزنى السياسي خائنة لاصلها القومي والوطني واليومي وعلى استعداد لاشعال لهيب العنف والقتل والاجرام اليومي بحق المواطن العربي والمجتمع الذي تنتمي اليه من اجل تقطيع اوصال هذا المجتمع للحيلولة دون تحقيق الوحدة وتنامي الوعي الوطني والمطلبي في الارض والتطور والازدهار وعدم التماثل مع نفسه في التضامن وتغييب غزة وبقية المناطق المحتلة، ان دب الرعب وناقوس القتل من خلال مسلسل القتل اليومي الممتد من اقصى الجنوب إلى اعالي الشمال بحيث لا يمر يوم او ساعة دون حدوث عملية اطلاق نار او جريمة قتل يذهب ضحيتها اناس ابرياء من خيرة المجتمع العربي، وكل ذلك دون القاء القبض على الجاني او الجناة، فهل يعقل في دولة الدمقراطية والقانون كما تسمي نفسها، ان يغيب العدل والقانون عن مستقبل وتطور الجماهير العربية.
ام انه يوجد مشروع مخفي سري يجري التداول فيه في اروقة وجوارير المؤسسة الصهيونية وحكومة الاضطهاد والعنصرية في كيفية التعامل مع الجماهير العربية وعلى ما أعتقد شخصيا فإن هذا القانون اصبح حيز التنفيذ، وهو كيفية العمل بمختلف الطرق والوسائل ومنها استعمال قانون التخويف والارهاب والقتل وزيادة حدة الصراع الاقتتال الداخلي لضرب المجتمع العربي ببعضه البعض، وتشجيع وحمل جيل الشباب على الرحيل بغية افراغ الوطن من اهله الاصليين، من خلال تقديم الاغراءات "المختلفة والمتنوعة" مع ضمان الامن والامان للبعض في سبيل تحقيق الفكرة الصهيونية كاملة وتجسيدها على ارض الواقع، من خلال بث الخوف والرعب ونشر ثقافة العنف والقتل والجريمة والاتجار بالسلاح والمخدرات بغية تحقيق المقولة الصهيونية، بافراغ الارض والوطن من اهله وحشد اكثر ما يمكن من العرب على اقل ما يمكن من الارض.
ان روح الفكر الداعشي العنصري اصبحت تتغلغل ليس فكرا وانما ممارسة عملية ونهجا رسميا في سياسات الفكر الفاشي الصهيوني لحكومة اليمين والحرب والاحتلال والاستيطان، اذ نرى بأعين مفتوحة وعقل متقد انه كلما ارتفع منسوب المواجهة والتحريض ضد الجماهير العربية من خلال التصدي لسياساتها وافعالها التشديدية والاقتلاعية والتحذير من خطر الفاشية والعنصرية في الاعتداء على المقدسات الدينية كما يجري في القدس يوميا، او تزايد المطالبة بحق العودة او ارتفاع وتيرة التضامن والاحتجاج والاستنكار لجرائم الاحتلال اليومية في غزة والقدس ومناطق الاحتلال، يرتفع بالمقابل وهذا رد المؤسسة بارتفاع وتيرة ومنسوب الجريمة والقتل وتجارة السلاح بين أوساط الشباب، وبالذات في التجمعات السكانية الكبيرة في المجتمع العربي، لذلك ليس صدفة ان اكبر نسبة للجريمة وبيع السلاح قياسا بعدد السكان، تجدها بين صفوف الباقية من الشعب الفلسطيني الذين هم مواطنو الدولة العرب، فلو ارادت السلطة والمؤسسة الحاكمة مكافحة الجريمة بين المواطنين العرب لكانت وضعت برنامجا تطويريا اساسه المساواة، ووضعت الحد منذ زمن لفوضى السلاح والقتل والجريمة، لكن المؤسسة الحاكمة تمارس سياسة داعشية مرسومة واضعة في خانة أهدافها الانتصار لسياساتها الترحيلية في لجم وتقويض كفاح الاقلية الفلسطينية في اسرائيل للحيلولة دون تحقيق المساواة بين مواطنيها وعدم الاعتراف ان للجماهير العربية حقوقا قومية ويومية ويجري التعامل معها على أساس مجموعة طوائف واناس غرباء في هذه البلاد.
خلاصة الحديث في موضوع العنف والجريمة هو ان الاغلبية الساحقة من المجتمع العربي ترفض هذا النوع من الارهاب وان ليس في استطاعة السلطة تربية الجماهير العربية بالقوة وتصدير العنف إلى صفوفها، ان الجماهير العربية بوحدتها والتصدي لمشاريع السلطة قادرة على افشال ما تفكر به لمستقبل البقية، وان محاربة العنف والجريمة لا يمكن الا عبر بوابة السلام والاعتراف بالحقوق والمساواة التامة.
(كويكات – ابو سنان)
