*كان واضحًا نهوض جيل وراء جيل، من غيبوبة الهزيمة والنكبة، بشكل تدريجي، وكسر الكثير من المسلمات التي لم يخطر ببال الأجيال التي عاصرت النكبة أنه بالإمكان كسرها*
تعتبر نكبتنا الفلسطينية الحدث الأبرز ذا الأثر الأكبر في ضعضعة مكانة التعريف الانتمائي الممارس للشعب الفلسطيني، حيث فقد أبناء شعبنا الكيان المؤسساتي الذي يجمعهم، والذي يتمثل في الدولة الحديثة بمركبات الكيان السياسي التي تخلق من حولها دوائر مختلفة تعبر عن الانتماء، تغذيه وتنميه في شتى مجالات الحياة الحديثة. وهنا يجب التنويه إلى أن التعامل مع هذه المركبات (الثقافية والتربوية والتراثية والأدبية والاقتصادية والاجتماعية) اليوم يختلف اختلافًا كليًا عما كان في الماضي، فرموز الوجود الفلسطيني قبل بروز الخطر الامبريالي الاستعماري بدءًا بالبريطاني ولاحقًا الصهيوني، لم تتبلور بدايةً من أجل تثبيت هذا الوجود، أي أنه لم يكن هناك رموز فلسطينية بحتة لتعميق هذا الانتماء، وذلك لعدم وجود حاجة إليها، كما وأنها استبدلت من عهد الحكم التركي فصاعدًا، وهذا ليس بالشيء الخاص، إنما هو جزء من مسيرة مشابهة لباقي مناطق الشرق الأوسط، والعديد من دول العالم.
إن مفهوم الدولة الحديثة ككيان مستقل، يعتبر حديثًا نوعًا ما في منطقتنا، فنحن نتحدث عن مسيرة من عشرات السنين فقط، لا تتجاوز الـ80 عامًا في أحسن الأحوال، وقد وجدت نقصًا في مدلول وشرح كلمة "هوية" في المعاجم والمصادر العربية، مما يدل على استحداث هذا المصطلح، الذي لا جذر لغوي صحيح له، وهنا ربما يكمن لغز حقيقي يجعلنا نفكر في تعريف هذا المصطلح، ومردوده اللغوي، إذا كان يدل على الانتماء أو التعريف، الشخصي أو الجماعي. لذلك سأتعامل مع هذا المصطلح على أنه مردود على الانتماء، والتعريف بهذا الانتماء.
*التعريف الانتمائي*
لقد صاغ الشعب الفلسطيني انتماءه بعد النكبة بطرق مختلفة، وذلك لتشتته وتفرقته في ثلاث دوائر، الأولى الباقية في وطنها المتحول إلى كيان العدو، والثانية الباقية في وطنها التابع إلى دولة مجاورة (المملكة الأردنية ومصر) حتى 1967، والثالثة اللاجئة خارج الوطن. من الواضح وجود اختلافات جذرية بين المجموعات الثلاثة، بسبب اختلاف الظروف المعيشية والحياتية، وكذلك اختلاف نمط الحياة في الكيان السياسي لكل مجموعة، وزيادة الاختلافات مع مرور الزمن وتجدد الأجيال. لكننا لن نتعامل مع هذه الاختلافات بل سنضع الضوء على المجموعة الأولى.
بقيت الأقلية الفلسطينية في وطنها الذي تحول إلى كيان سياسي جديد، كيان العدو المنتصر، وحصلت على مواطنة مدنية بدون أي اعتبار لأي ازدواجية تتنافى مع الانتماء الطبيعي لهذا الجزء الباقي من الشعب الفلسطيني، وذلك لأنهم كانوا مجبرين على القبول بهذه المواطنة التي حكمتهم بفعل حكم عسكري فرض عليهم الوصاية المباشرة في مختلف جوانب الحياة. لقد فقدت الأقلية الفلسطينية المتبقية انتماءها للكيان الفلسطيني السياسي الذي كان أصلاً منقوصًا، حتى قبل النكبة، وبذلك فهي دخلت في بوتقة كيان سياسي جديد، مفروض عليها، همه الأول إزالة كل خطر من المحتمل أن يضعضع وجوده، أو لا يتلائم مع حاجاته، لأن الكيان الجديد، وإن كان قد اجتاز مرحلة التأسيس الفعلية في أواخر الثلاثينيات، إلا أنه ما زال حديث العهد رسميًا، ومهددًا من دول الجوار التي لم تنجح في حسم المعركة ضده.
لقد افتقدت الأقلية الفلسطينية المتبقية القيادة السياسية الرسمية، التي كانت على خلاف فيما بينها في العقد الأخير قبل النكبة، ولم يكن هناك أي وجود لأي قيادة سياسية قطرية بعد النكبة في الجزء المتحول إلى دولة العدو، ما عدا بعض الشخصيات التي كان لها تأثير محدود، وبقاء تنظيم عصبة التحرر الوطني، وبروز خلافات بين قياداته حول قبول قرار التقسيم، لكن مما لا شك فيه أن قيادة عصبة التحرر التي تحولت فيما بعد إلى الحزب الشيوعي، كان لها الدور الريادي في المحافظة على هذا الجزء الباقي في وطنه، حيث قادت هذه المجموعة معركة البقاء والحفاظ على الوجود في الوطن بأي ثمن، في ظروف مأساوية كانت تميزها سياسة الطرد الجماعي والفردي، حيث كان هدف القوات الصهيونية طرد أكبر عدد من العرب، وحصر من تبقى في أصغر مساحة ممكنة.
*صراع البقاء*
لقد كان الصراع الأساسي للبقية الباقية في وطنها هو البقاء وتحصيل لقمة العيش، فبعد أحداث الحرب وتدمير عشرات القرى والمدن، وتشتيت أهلها، كان هم الناس الحفاظ على ما تبقى، بدون أي إمكانيات سوى العجز وقلة الحيلة. من الصعب على الإنسان الخروج من دائرة الهزيمة في ذروة الهزيمة، لذلك كان أبناء شعبنا في حالة انكسار لا تتيح لهم أي فرصة للشموخ والاعتزاز بانتمائهم لأنهم فقدوا كيانهم، حيث لم يُبقِ الكيان الجديد أي أثر للكيان السابق، ومنذ الأيام الأولى بدأ منع تداول الجنيه الفلسطيني، وتم استبدال الرموز والمواثيق الرسمية مع إبراز الشعارات والرموز الجديدة الحديثة، واستصدار بطاقات شخصية جديدة تحمل أرقام تسلسلية خاصة بالعرب، ومنذ السنوات الأولى تم فرض نظام تدريسي جديد.
لم يتم فرض الرموز الجديدة بالطرق السلمية، فقد استعملت أساليب التهديد والوعيد، وكان لخضوع الأقلية العربية للحكم العسكري أثر كبير في إخضاع إرادتها، وقمع روح المواجهة أمام فرض الرموز الجديدة ومنع الاحتفاظ بأي رمز يوحي بفلسطينية ما. لقد استطاع من ظلوا في الوطن رسم حدود جديدة لتعريفهم الانتمائي، تميز بالاحتفاظ بانتمائهم القومي بدون أي مهدنة، وعدم الاكتراث الى المواطنة المفروضة عليهم، حيث لم يكن لهذه المواطنة أية قيمة في التعريف الانتمائي لجيل النكبة.
لقد صاغ قادة الحزب الشيوعي في حينه الخطوط العريضة للبقاء السياسي والوجودي، وتعاملوا مع العوامل المفروضة في الواقع الجديد بشكل يضمن البقاء والوجود الجماعي، إيمانا بأن تثبيت هذا البقاء الجماعي في تلك الظروف هو الضمانة الأولى لتعزيز الانتماء. لقد برز في المرحلة الأولى من قيام الكيان الجديد التحفيز والتشديد على تعليم طلاب المدارس الأناشيد والأغاني التي تمجد هذا الكيان، وإجراء احتفالات كبيرة في المناسبات الرسمية، من اجل ترسيخ وجود الكيان الجديد في أوساط الأقلية العربية، وتم تأسيس صوت إسرائيل بالعربية (1956) ليكون اداة لنشر الدعاية الصهيونية باللغة العربية من اجل التأثير على الأقلية العربية في البلاد ومن حولها.
أما بالنسبة لتعريف المكان والانتماء لروح المكان فقد بدل الكيان الجديد معظم الأسماء العربية للقرى المهجرة، وشوارع المدن التي تم الاستيلاء عليها، بعد تشريد أهلها، في محاولة لخلق واقع جديد، بأسماء جديدة، كمحاولة لخلق هوية جديدة للمكان، مع تبديل ما يمكن تبديله من ناحية التضاريس والشكل، وهدم ما أتيح هدمه كي لا يعود إليه من يحتفظ بانتمائه لذلك المكان. وكان لفرض الحكم العسكري الدور الأكبر في محاولة سلب الانتماء بفضل القوة الممارسة، نفسيًا وعمليًا، حيث لم يكن بإمكان أي فرد الخروج من بلده بدون إذن الحاكم العسكري، حتى من أجل العمل والعلاج.
لقد حاول الكيان الجديد تثبيت انتصاره العسكري من خلال عوامل مختلفة تتعدى الحالة العسكرية إلى الحالة المدنية الاجتماعية، بدايةً بفرض وتثبيت القناعة بانتصاره العسكري على صعيد تفكير الإنسان العربي الباقي في وطنه، من أجل ترسيخ هزيمته أمام ذاته وأمام الكيان الجديد، لضمان رضوخه للعوامل الجديدة المفروضة عليه، وعدم إحداثه أي قلق من المحتمل أن يضعضع المنظومة الجديدة التي أجبر أن يكون جزءًا منها، على الأقل كجزء تابع/خامل، لكن في الحقيقة تم الاستفادة من هذا الجزء للعمل الأسود، وفرض عليه طابع تهميشي يضعه في الخانات الأخيرة للترتيب الاجتماعي، ويتعامل معه على أساس هزيمته لتحطيم إرادته. لكن هذا الأمر لم يكن بإمكانه أن يستمر مع تبدل الأجيال، فقد كان واضحًا نهوض جيل وراء جيل، من غيبوبة الهزيمة والنكبة، بشكل تدريجي، وكسر الكثير من المسلمات التي لم يخطر ببال الأجيال التي عاصرت النكبة أنه بالإمكان كسرها، على المستوى الرمزي والتربوي والثقافي، لكن هذه النهضات كانت وبحق بفضل مساهمات القادة الشيوعيين الذين كانوا يشقّون هذا الدرب للأجيال الصاعدة رويدًا رويدًا، فالأدبيات والأشعار والأعمال الفنية وبدايات النشاطات المسرحية، ودور جريدة الاتحاد ومجلة الجديد - كل هذه الأمور وأكثر منها كان يقودها الشيوعيون، وكان لها الدور الأكبر في تنمية الوعي والانتماء الأصلي للأقلية الباقية في وطنها، ولم يكن لهذه النهضات أن تحدث بدون العمل السياسي بين صفوف الشعب، ومواجهة التيارات المتواطئة مع الحكم العسكري والسلطات، التي حاولت أن تفرض بدائل للأعمال التي يقودها الشيوعيون من صحف سلطوية وإذاعة صوت إسرائيل بالعربية ومحاولات لتقريب النخب الفنية والأدبية منها.
إننا اليوم في حاجة ماسة إلى الالتفات للجوانب الرمزية التي تشكل هويتنا وتعريفنا الانتمائي، والعمل على تجذيرها وصيانتها، وفي العديد من الحالات البحث عنها لتعريفها وضمان معرفتها بشكل أفضل، مما يساعد في تعميق الجذور، وتجذير البقاء.
