من احدى مسيرات عيد العمال العالمي في الناصرة الحمراء
لا بد من انعاش الذاكرة باستعراض سريع حول انضمام العمال العرب الى الهستدروت بعد اقامة دولة اسرائيل.
نقابة العمال العبريين في أرض اسرائيل (فلسطين)، شكلت الذراع الثانية للحركة الصهيونية في فلسطين ما قبل النكبة إذ قامت بتنظيم العمال اليهود وتنظيم حقوقهم وتقديم الخدمات الصحية، الاجتماعية، الثقافية والرياضية وخلق أماكن عمل للعمال اليهود من خلال الشركات والمؤسسات الاقتصادية التابعة لها ودورها في الضغط على المؤسسات الاقتصادية العامة في البلاد لـ"عبرنة العمل" أي احتلال العمال اليهود لأماكن العمل.
بعد قيام الدولة حافظت الهستدروت على سوق العمل المنظم، على طهارة اليهود، وحرمان العمال العرب من امكانية الانضمام للتنظيم النقابي العام في الدولة، أي بكلمات اخرى أبقي عمال البناء والزراعة والخدمات العرب فريسة لاستغلال مجموعات "الريس" وأعوان الحكم العسكري (سماسرة العمال والمزارعين، شركات القوى العاملة-بلغتنا اليوم)التي زودت الورش والمصانع والمزارع بأيدٍ عاملة مقابل قروش معدودة للعامل وبدون أي حقوق نقابية.
ولم يكن باستطاعة مؤتمر العمال العرب، حيث نشط الشيوعيون العرب، أن يشكل بديلا للتنظيم النقابي العام على الرغم من النضالات والإضرابات التي قادها لا من حيث الخدمات الطبية أو من حيث التمثيل النقابي أمام المشغلين، وعليه طالب الحزب الشيوعي طوال السنوات التي تلت قيام الدولة بضم العاملين العرب الى النقابة العامة للعمال، الهستدروت، لضمان حقوقهم النقابية.
وفقط في العام 1959 وافق المؤتمر التاسع للهستدروت على ضم العمال العرب للمنظمة وفقط في المؤتمر العاشر سنة 1964 شارك العمال العرب في انتخابات الهستدروت. خلال الفترة الماضية حرم العمال العرب من تلقي الخدمات الطبية التابعة لصندوق المرضى العام ومن باقي الحقوق النقابية المختلفة كالأجور، ساعات العمل، العطل، التعويضات والتقاعد التي كانت حكرا على العمال اليهود بالاضافة الى قطاع العاملين العرب في المكاتب الحكومية وجهاز التعليم الرسمي.
لقد كان لربط عضوية النقابة العامة بالخدمات الطبية أهمية كبرى في حينه، اذ ادى الأمر لتنظيم غالبية العاملين عموما والعرب خصوصا في الاطار النقابي، وتم ضمان اجورهم وحقوقهم النقابية كالاجازات المرضية والمخصصات الاجتماعية وصناديق التقاعد والتعويضات ومنع الفصل التعسفي وما الى ذلك.
واستمر الحال كذلك الى ان انتخب حاييم رامون سكرتيرا عاما للهستدروت وقام بفصل عضوية الهستدروت عن العضوية في صندوق المرضى العام، من خلال تشريع قانون التأمين الصحي العام واقتصار العضوية في النقابة على من يدفع رسوم العضوية وحقق بذلك هدفين: ضرب التنظيم النقابي بتقليص عدد اعضائه من جهة (500 الفا اليوم مقابل ما يقارب 80% من الناخبين للكنيست) وتسهيل خصخصة الشركات الاقتصادية الهستدروتية : كور، سوليل بونيه، شيكون عوبديم، بنك هبوعليم.. والمنظمات الاجتماعية التابعة لها:هبوعيل، عمال، مشعان وغيرها.
وتبرز أهمية نقابة العاملين الجديدة كونها تجمع لجان عاملين في مختلف مجالات العمل: الكهرباء، المياه، الموانئ، الوزارات والسلطات المحلية، البناء، النسيج، الفندقة، الصناعات المختلفة والخدمات وخصوصيتها كإطار واسع لقطاعات بعضها قوي وآخر اضعف يمكنها من تحقيق التضامن العمالي حيث تدعم اللجان الكبيرة والقوية نضالات ومطالب اللجان الصغيرة والضعيفة في مواجهة المشغلين والحكومة.
أضف الى ذلك اعتبارها الجسم التمثيلي الوحيد أمام الحكومة والمشغلين عند التوقيع على اتفاقيات الأجور للقطاعات المختلفة والتي يقوم وزير الصناعة والتجارة والعمل بتوقيع أمر توسيع شموليتها على كافة المشاغل والقطاعات الاقتصادية المشابهة.
وبما اننا الآن بعد انتخابات الهستدروت وقد حقق كل طرف ما حققه، أسمح لنفسي ابداء بعض الملاحظات حول انتخاب رئيس الهستدروت ومؤتمرها ومجالس عمال الألوية ومجالس نعمت اللوائية، حيث تنافس في هذه الانتخابات كل من عوفر عيني وقائمته عوجنيم المدعومين من أحزاب اليمين ، الليكود، يسرائيل بيتينو وحزب العمل والخ.. وفي المقابل ايتان كابل الذي خرج عن قرار حزبه و"تحالف البيت الاجتماعي" الذي في مركزه الجبهة وميرتس وقسم من حزب كاديما وحركة الاحتجاج والعمال الاجتماعيين ولجان عمالية مختلفة.
في هذه الظروف لا بد من التساؤل حول موقف الأحزاب والفعاليات السياسية العربية في الموضوع!
- "سمعان مش هون"!
هنالك من دعا ويدعو لاقامة تنظيمات نقابية عربية وللخروج من الدائرة النقابية "الصهيونية"، ربما متشجعا من النجاحات الباهرة للأطر الوحدوية العربية في حل قضايا الجماهير العربية من حيث تحقيق المساواة والازدهار وارتفاع مستوى الخدمات في مدننا وقرانا العربية الى مستواها في سفيون وهرتسليا وغيرها.
ويطرح السؤال:ألا يهم الحركة الإسلامية بشقيها، حزب التجمع الوطني الديمقراطي، الحركة العربية للتغيير والحزب الديمقراطي العربي ظروف وحقوق العاملين العرب في السلطات المحلية الذين تطبق عليهم الاتفاقيات التي توقعها الهستدروت مع الحكومة؟ وماذا مع الممرضات والممرضين العرب؟ أو العاملات والعمال الاجتماعيين العرب؟ أو عمال البناء؟ أو العاملات والعاملين في قطاع الزراعة وباقي قطاعات العمل الصناعية والخدماتية؟
ألا تمس هذه المعركة على قيادة هذا التنظيم النقابي بالحياة اليومية للجماهير الواسعة التي يمثلونها؟ وهل تمثيل هذه الجماهير يقتصر على الانتماء الاقليمي والطائفي والحمائلي - وينأى عن تمثيل مصالحها النقابية وتبني قضاياها والاستبسال في الدفاع عنها؟
إذا ما فائدة وجود نواب عرب في الكنيست الصهيوني؟ ولماذا تقاتل الأحزاب العربية على كل صوت في الانتخابات العامة وتترك حلبة حقوق العاملين للقيادة التي تبيعها لأساطين رأس المال؟
خلال الحملة الانتخابية بعث الرفيق دخيل حامد، سكرتير جبهة الناصرة وعضو سكرتارية الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، برسالة الى الأحزاب السياسية دعاهم فيها الى اتخاذ موقف من انتخابات الهستدروت ودعوة لدعم "تحالف البيت الاجتماعي" الذي في مركزه الجبهة، ونشرت دعوته هذه في المواقع المختلفة، ولكن "سمعان مش هون" أي لم تلقَ دعوته اي رد.
وفاق حزب التجمع "القومي بامتياز" باقي الأحزاب، حيث لم يكتف بعدم الرد على هذه الدعوة، انما تجاهل توجها سابقا من الرفيق دخيل حامد له كونه ممثلا في مجلس عمال لواء الناصرة في الدورة المنصرمة، لتشغيل مندوبيه في لجان الصناديق لصالح الجبهة نظرا لعدم مشاركته في الانتخابات الحالية ولكنه فضل تجييرها لصالح عوفر عيني وعوجنيم ، وتم تداول شائعات عن دعم خفي لهما، عدا عن زيارة التهنئة التي قام بعض رموز التجمع للمرشح المنافس للجبهة في لواء الناصرة.
وهو نفس الانطباع من انماط التصويت في مجلس العمال اللوائي مركز الجليل في دعم عوفر عيني ومرشح عوجنيم ضد مرشح الجبهة.
أهكذا تدافعون عن مصالح العاملات والعاملين العرب؟
ما هكذا تورد الإبل.
(الناصرة)
