ألمراجل الكذابة

single

مظاهرة في تركيا دعمًا لغزة


حتى لو كانت تركيا اول دولة اسلامية تعترف بدولة اسرائيل سنة 1948، فان السيد صهيون لا يجامل ولا "يراقع" وحتى لو كانت امبراطورية في الماضي، ودولة اقليمية كبرى في الحاضر، فان اسرائيل "تضرب من في البور ليتربى قن في الكراب"، كما قال فلاحونا. او كما قالت جداتنا: "بحكي مع الجارة تتِسمَع الكنة". فهكذا اسرائيل "متعودة... دايما".
تابعنا جميعا الطريقة "المهذبة" التي استقبل بها داني ايالون، نائب افيغدور ليبرمان، السفير التركي في اسرائيل، لكي يعنّفه و"يمسح به بلاط مكتبه"، بسبب مسلسل تركي تبثه قناة تركية خاصة، يظهر فيه جنود الاحتلال يطلقون النار على الاطفال الفلسطينيين! يا للكذب ويا للافتراء! جنود اسرائيل يفعلون ذلك!!؟؟
لم يطلب السفير ماء تركيا ولا قهوة تركية، بل جعلوه – قبل بلوغ هذه المرحلة، ينتظر، كما ينتظر في صندوق المرضى، حتى يؤذن له بالدخول. وفي الداخل، خلا الاستقبال من المصافحة، وخلت الطاولة من العلم التركي. وأُجلس على كرسي واطئ، ابرازا للسموّ الاسرائيلي، ومن ثم قدمت له "وجبة" من الاهانات المرتبة!
تحولت هذه "البطولة" الى موضوع للتندر والتفكه. ففي المؤتمر الصحفي المشترك في برلين (الاثنين 18-1-2010)، وبدل ان يُصغوا الى مضيفتهم الالمانية، التي ستزودهم بغواصة يخطبون بها ودّ الجلابيب الاماراتية، راح الساسة الاسرائيليون، وزراء ونوابا، يستذكرون "بهدلة" السفير التركي. ولم "تقطع" فيهم الكشرة الالمانية، فواصلوا ضحكهم وتشويشهم.
تذكرت كيف كان الواحد منا ايام الطفولة، يعتلي كومة ناتئة من تراب، او حتى من قمامة، كي تطول قامته ويقول لاترابه مناكفًا:"انا عالعلالي وانتو عالخر..." ويظل يردد ذلك الى ان يأتي طفل آخر، يُنزله من برجه الترابي او القمامي، ويعيده الى حجمه الطبيعي. كنا نفعل ذلك بصورة بريئة، لا تكاد تبدأ حتى تنتهي، تماما كما انتهت لعبة ايالون غير الطفولية والمزدحمة بالكثير من الوقاحة. فبين الاثنين والاربعاء، كانت "المراجل الكذابة" قد نفّست كبالون طفل شكّته إبرة.
فهل كان تصرف ليبرمان مستوحى من الروح التوراتية؟
"يا جميع الامم صفقوا بالايادي. اهتفوا لله بصوت الابتهاج. لان الرب... يُخضع الشعوب تحتنا والامم تحت اقدامنا" (المزمورالسابع والاربعون) وانت تقرأ التوراة تختلط عليك الامور احيانا، فلا تدري من الذي خلق الآخر وايها يعبد الآخر.
ولعل الوزير في أوج نشوة انتصاره، اعتقد ان كل الامم انظمة عربية! خاب ظنه. فمع تركيا اختلف الامر. وجاء الامر من انقرة: عليكم ان تعتذروا والا....
إعتذروا شفويا، وظنوا انهم انتهوا. أصر الاتراك على ان يأتي الاعتذار مكتوبا حتى مساء الاربعاء (قبل الاخير من هذا الاسبوع) ولم يتأخر الاعتذار. وهرول بصياغة املاها الاتراك، وبتوقيع حكومة اسرائيل وعشرات اعضاء الكنيست. "أجاك يا بلوط مين يعرفك".
وعندما توجه وزير الامن يوم الاحد الماضي الى انقرة في زيارة رسمية، اعتقد البعض ان الاتراك سيجلسونه على مربع ارضي ناتئ قليلا، ويبرز منه جسم حاد كأنه الخازوق. لم يحدث ذلك. تمسك الاتراك بآداب التعامل، مكتفين بالغاء اللقاء بين الضيف الثقيل وبين رئيسي الدولة والحكومة. أي بصفعة دبلوماسية رنانة. أدركوا ربما، ان براك جاء ليواصل تقديم الاعتذار، والا فما مناسبة زيارته لضريح اتاتورك، وليس ثمة "لا عيد ولا هلة شهر؟".
إبتسم العثماني وعبر عن رضاه "شوكوزال" (عال العال) واذا كانت الاهانة الاسرائيلية للسفير التركي، التي يصفها الاسرائيليون بلفظة مبتكرة (بالعربية الدارجة) للعضو الذكوري، تغري بالمقارنة، فقد فعل ذلك الكاتب الصحفي يارون لندن (يديعوت 18-1-2010).
أورد لندن نبذة تاريخية تعود الى ما قبل قرن كامل من الزمان. جمعت بين ايتامار بن آفي "الولد العبري الاول"، والصحافي والسياسي الجريء"، وبين ضابط تركي اخضر العينين، تبين فيما بعد انه مصطفى كمال اتاتورك، مؤسس تركيا الحديثة، والذي استبدل الحروف العربية بحروف لاتينية. "كانت تلك احدى الخطوات التي انقذت تركيا من تخلفها السرطاني الخبيث". يا ترى هل يصدّق لندن هذا الطرح فعلا؟ وهل يعقل انه لا يعرف، ان التوسع العربي في معظم قارات الارض، لم يأت لانهم كانوا يستخدمون الحرف اللاتيني او الايديش؟!
وهو – لندن – وفي المقال ذاته يفضح ذاته. فهو يشير في محاولة للتمييز بين الاتراك والعثمانيين الى "الامبراطورية العظمى الممتدة على كل الشرق الاوسط وشمال افريقيا وعلى ما يقارب ثلث مساحة اوروبا". فهل كان ذلك لانهم كانوا يستخدمون الحرف الهيروغليفي؟!!!
ثم، وكأنه يسهم هو الآخر في حملة الاعتذارات، يؤكد أوجه الشبه بين تركيا واسرائيل، تقرّبا، تزلّفا، نفاقا، كل ما تريد.
"بحدّ السيف حل (الاتراك) مشكلة الاقليات الكبيرة التي تعيش في بلادهم. طردوا اليونانيين، قتلوا الارمن، ورفضوا الاعتراف بخصوصية الاكراد". "اما نحن" يضيف لندن، فقد انتهزنا حرب الاستقلال لتهجير كثيرين (من العرب)، لكننا لا نعرف حتى الآن ماذا نفعل بمن بقوا"!! "بعيدة عن لحاكم يا ابناء الذين.." كما يقول اهل مصر.
انا ايضا سأقارن بين تركيا والنظام العربي. لكليهما علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، بل وحميمية من الجهة العربية، وكلاهما شريكان في ارض واحدة وسماء واحدة وتاريخ واحد. لكن امرا بسيطا واحدا يختلفان فيه.
فالاتراك اعدوا للوسطى الاسرائيلية الممتدة الى سفيرهم، فماذا سيفعل النظام العربي اذا ما تعرض سفيرهم ذات يوم لموقف مهين مباشر؟ (اذ يتعرض سفراء الانظمة في كل لحظة الى اهانة غير مباشرة، ويمسحونها بلحاهم).
أظنهم سيُعدون الرؤوس "للخفش" والاعناق للدوس.
ألم اقل ان بين تركيا والنظام العربي شيئا بسيطا واحدا مختلفا. الاتراك يملكون كرامة وطنية، في حين تخلى النظام العربي عن هذه "الزائدة" الخبيثة، منذ تولى "ساداتهم ومباركوهم" وجلابيبهم النفطية الفضفاضة، زمام بلادهم. وقد لا تعود اليهم الا اذا تعلموا الحروف التركية والفارسية ايضا.
لقد كانت حادثة السفير التركي مناسبة كي يعرف كل طرف حدّه ويقف عنده، فلا "يطيش على بصقة" ويتوهم نفسه "عالعلالي".
وذات لحظة عصيبة قالت غولدا مئير: "كم نحن صغار امام الكبار". هل يتّعظ الاسرائيليون؟ وهل يتّعظ العرب؟

قد يهمّكم أيضا..
featured

تأمين المواطن ام مواطن بلا تأمين

featured

برنامج التطهير العرقي لم يرفع من جدول الأعمال

featured

لمواجهة تصعيد التحريض على "الميدان"

featured

من واجباتنا ومهماتنا العربية، تسريع النهضة النسائية الحضارية بكل ما تعنيه الكلمة

featured

عندما حاول أبو الفهد أن يجدّف عكس التيار

featured

الجرح ينتصر على السكين

featured

عقيدة "دول العدو": أداة إضافية لقمع الأقلية العربية في إسرائيل