في ذكرى مرور خمسين سنة على حرب الـ 67 تحضرني ذكريات من الماضي، حيث كان اللاعب في تلك الأيام الحاكم العسكري وكان شبح مصادرة الأراضي قد بدأ يُخيّم على أصحابها والتي تحوّلت قرية عين ماهل لاحقًا وبسببها إلى "جيتو" مُحاط بأرضها المصادرة من الجهات الأربع. ومع ان المصادرة كانت تتم أحيانًا بدون موافقة أصحابها ولا موافقة المجالس المحلية وبموجب قانون تسنه الحكومة وتطبقه على أرض الواقع، إلا أن وزارة الداخلية ارتأت بإقامة مجالس محلية أداة قانونية لتنفيذ مخططات المصادرة. لقد كان مخطط انتزاع الأرض من أصحابها يتم عن طريق استعمال قوانين مختلفة كثيرة مثل قانون مناطق الأمن وقانون تسوية الأراضي وقانون المصادرة للأغراض العامة وقانون أملاك الغائبين إلى غير ذلك من القوانين التي نجحت في مصادرة الأراضي العربية وسلب أكثر من مليوني دونم وتحويلها إلى ملكية الدولة.. لقد ساعد في تنفيذ هذه السياسة أمران:
الأول: فرض الحكم العسكري الذي استمر حتى سنة 1965 وثانيها إقامة مجالس محلية في القرى لغرض استعمالها أداة قانونية وتحويلها إلى ختم صوري توافق فيها المجالس على المصادرة. وفي حال عدم موافقة الأهالي على إقامة مجالس محلية كانت وزارة الداخلية تقيم لجانا معيّنة من أجل خدمة هذا الهدف أي مصادرة الأراضي. في تلك الأيام كنت معلمًا ونائبًا لمدير المدرسة في عين ماهل وكانت الأحداث المتوالية بسبب قرار وزارة الداخلية إقامة مجلس محلي في عين ماهل ورفض الأهالي القاطع لذلك خوفًا من أن يتحوّل هذا المجلس إلى ختم صوري على أوراق المصادرة... وكانت في (1964) المحاولة البائسة من أجل إقامة هذا المجلس، والرفض القاطع من قبل الأهالي لإقامته، تمّ سعي وزارة الداخلية لتعيين "لجنة معينة" ومحاولة ضمّي لهذه اللجنة، فرفضت الانضمام لإقامة المجلس وأن أكون عضوًا في هذه اللجنة. شأني بذلك شأن أهل بلدي وموقفي من إقامة المجلس أو اللجنة موقفهم.
كان أبو الفهد يوسف ذياب حبيب الله من قادة ثورة 1936، وحارب ضد الاستعمار الإنجليزي وكان ابنه فهد أحد الذين استشهدوا في معركة الشجرة سنة 1938 مع نخبة من شباب قرية عين ماهل، حين خرجوا لاعتراض قافلة تحمل مؤونة من حيفا إلى طبريا... وكان بين الذين استشهدوا أيضًا في هذه المعركة أحمد الحاج سعيد حبيب الله، وأحمد عبد الفتاح أمين حوابطة وحسن حبيب الله...
كان أبو الفهد كعادته قائدًا ثوريًا دائمًا وعندما بلغت اسماعه الاخبار بان الوزارة ستقيلني بسبب موقفي الرافض، دعا إلى اجتماع في بيته وقرّر فتح مدرسة على حساب الأهالي وتعيين راتب شهري لي دون الحاجة إلى مِنّة وزارة المعارف، كان ممثلو الحكومة يأتون إلى مختاري القرية توفيق الحسين (أبو خالد) وتوفيق السعيد أبو السعيد.. وكان المخاتير يجمعون الناس للقاء مندوبي وزارة الداخلية وممثل عن (الحاكم العسكري) الحاكم بأمره من أجل اقناع الناس لإقامة المجلس المحلي وذلك من أجل تطويرهم وتقدمهم في شتى المجالات وتحسين الخدمات الاجتماعية والصحية لأهل القرية.. لكن الأمر كان واضحًا للناس بأن هذا الكلام ليس إلا "طفع حكي" ووعود بدون رصيد وكان يخفي تحته الكثير من النوايا المبيّنة وبهدف في الواقع إلى مصادرة الأراضي وتصفية الأهالي منها وابقائهم "على الحديدة" في ظل الحكومات غير الرشيدة" وفي ظل الحكم العسكري البغيض الرابض على صدور العرب في البلاد آنذاك.
وهذا ما حدث فعلا فيما بعد، حيث تحولت قرية عين ماهل إلى "جيتو" وصودرت الأراضي من شمالها وجنوبها وشرقها وغربها ووصلت المصادرة إلى أراضٍ تبعد فقط ثلاثة أمتار عن آخر بيوت مُرخّصة تقع في شمال القرية.. كل هذا كان من أجل تقديم الأراضي هدية سائغة للمدينة التي أقيمت في حينه على أعالي جبل سيخ وجبال الناصرة أقصد مدينة “نتسيرت عيليت”... بحيث يمتدّ نفوذها شمال وغرب وجنوب البيوت القائمة آنذاك. وكان المرحوم أبو الفهد يوسف الذياب حبيب الله على رأس المتحمسين لفكرة إقامة مدرسة في حال إقالتي من الوزارة.. وكان ان أقامت وزارة الداخلية اللجنة المعينة وتعيّن يوم الافتتاح والاحتفال بها واتخاذ إحدى غرف المدرسة مكانًا يجري فيه هذا الاحتفال، وكان ان طلب مني مدير المدرسة آنذاك ان أحضّر الغرفة للاحتفال وان أطلب من طلابي – طلاب الصف الثامن الذي كنت مربيًا له – وعندما رفضت ذلك، قام مدير المدرسة بمعاونة بعض الطلاب بعمل ذلك. وكان الاحتفال وكانت اللجنة المعينة التي ضربت أول مسمار في نعش أراضي القرية وكان هذا بموافقة اللجنة التي تمثل البلد، وهكذا أصبحت عين ماهل إحدى الضحايا الكبيرة في البلاد من حيث مصادرة أراضيها.. وتحولت إلى (جيتو) محاط من جميع الجهات بالأراضي المصادرة، كما ذكرت سابقًا، فلم يبق للبلد مكان يدفنون فيه موتاهم..
اذكر ان الحكومات وبعد ان سنت قانون المصادرة، قررت اقتلاع الزيتون الذي كانت تمتلئ به الأراضي فأرسلت للأهالي أمرًا باقتلاع الزيتون بأيديهم، كلّ يقتلع زيتونه، وطبيعي ان الناس لم تذعن لهذا المطلب إلى ان جاء يوم مظلم... وكان صباح عيد الأضحى.. حيث احتفل الناس ليلاً بمجيء العيد وسهروا حتى ساعات الصباح... ثم ذهبوا للنوم.. وفي هذه الأثناء حضرت المعدات الثقيلة بعدد لا يحصى وبدأت باقتلاع الزيتون من الأراضي غرب وشمال القرية.. وما ان صحا الأهالي من نومهم حتى اكتشفوا ان زيتونهم قد اقتلع وان سيارات كبيرة نقلت أشجار الزيتون إلى أمكنة أخرى لاستعمالها في تزيين الشوارع والحدائق العامة، ومن يزور عين ماهل هذه الأيام يرى في طريقه على طول ثلاثة كيلومترات قبل الوصول للقرية اشجار الزيتون التي تزين جوانب الشارع ليس المؤدي للقرية بل جزءًا من الشارع الالتفافي حول "نتسيرت عيليت"، لقد وصل حد الوقاحة عند دائرة أراضي إسرائيل إن طالبت فيما بعد أصحاب الزيتون الذي اقتلع من أراضيهم بدفع كلفة قلع الزيتون وإبلاغهم بذلك، وكانت لنا كباقي الناس قطعة أرض فيها أكثر من (120) شجرة زيتون، فكنا بين الذين أبلغوا بالدفع مقابل اقتلاع شجر الزيتون، وطبيعي اننا لم ندفع ذلك... وقد تفاجأنا بعد مدة ان ما علينا من دفع تحوّل الى دين علينا ووصل إلى دائرة الإجراء، وحجزت المحكمة على سيارتين مقابل ذلك، الواحدة لأخي حاتم والثانية لأخي منذر.. لقد اكتشفا ذلك عندما أرادا كل منهما بيع سيارته... فلم يستطيعا بسبب أوامر الحجز على كل من السيارتين مما اضطرهما وعن طريق المحامي للتفاوض مع دائرة الإجراء ودفع مبلغ مصالحة وحل وسط من أجل تحرير السيارتين وبيعهما.
وعودة إلى عنوان المقال، فقد كان أبو الفهد جادًا في اقتراحه ودعاني في حينه إلى اجتماع مع الأهالي في بيته وأبلغني بنيّته فتح مدرسة أعلّم فيها وشكرته على أريحيته، لأن الأمور لم تتم له كما أراد، لأنني تركت المدرسة باختياري وخرجت في إجازة وذهبت إلى الجامعة العبرية.
هذ جانب من قصة مصادرة الأراضي في عين ماهل، هذه القصة التي أوصلها الصديق المرحوم أبو بكر عبد الرحمن الزعبي إلى أمريكا وتكلم عنها أمام الجماهير التي كان يحاضر عن الأوضاع في إسرائيل، حيث كان يعرض على هذه الجماهير صورًا وخرائط تبين ما وصلت إليه عين ماهل وكيف تحولت إلى "جيتو" حتى اليوم...
هذه الحكاية مع المجلس المحلي واللجنة المعينة وحكايتي مع الطالب الذي أجاب على سؤال الوظيفة البيتية.. "ما هي أمنيتك في الحياة؟" بقوله: "أمنيتي أن أكون ضابطًا في جيش التحرير الفلسطيني" – تركت أثرًا سلبيًا على استمراري نائبًا لمدير المدرسة، مما أدي إلى تركي المدرسة والتحاقي بالجامعة العبرية، وبهذا انطبق عليَّ المثل الذي يقول فيه شخص لآخر: "بضربك كف بوصلك مكة" فيجيبه "والله بتكون الحجة (الحج) على إيدك" وفوق كل هذا سيكون لي مع القارئ لقاء آخر.
