من أصقاع وشعوب شتّى، من مَشارب ومَذاهب شتّى، انطلق في ختام أيّار المنصرم أهلُ الضمير وعشّاقُ الحرّيّة، على متن سفن أسطول الحرّيّة (أو قافلة الحرّيّة)، صَوْبَ السِّجْن المحاصَر الصامد غير الخامد: غزّة. انطلقوا آملين في تحريك الرأي العامّ ضدّ مَن يمنع الفلسطينيّ أن يحيا كالأحياء.
قامت قيامة مجتمع البشر في كثير من بقاع الدنيا، انتقادًا وتظاهُرًا وشجبًا واستنكارًا وإدانةً ومقاطعةً ودعوة إلى المقاطعة وتوبيخًا، فاستبشرنا خيرًا وفَرحنا بعضَ فرحٍ رغم الأحمر الذي روّى الأبيض قرب ميناء أسدود. لم يكن استبشارنا حالة عبثيّة، وذلك أنّ الرأي العامّ العالميّ المُدِين المستنكِر قد شكّلَ ضغطًا مُجْدِيًا فوريَّ النتائج. على إسرائيل؟ لا، لم تأتِ ساعتها بعد! الصَّلَف والبلطجيّة والاستعلاء كلّها لا تتضاءل على نحوٍ فوريّ لدى مَن اجتمعت فيه ثلاثتُها، وفي الآن ذاته في عدوّه اجتمعت كلُّ التالية: الرضا والرضوخُ والقناعةُ والواقعيّةُ والتفهُّمُ والتروّي والاتّزان... وغيرها من مبرِّرات التقاعُس والتواني والعجز.
الرأي العامّ العالميّ المُدِين المستنكِر شكّلَ ضغطًا مُجْدِيًا فوريَّ النتائج على النظام المصريّ الذي "تجرّأ" أخيرًا على فتح معبر رفح! شكرًا! شكرًا للرأي العامّ العالميّ الضاغط الذي يُلزِم العَرَبيّ أن يكون إنسانًا تجاه العَرَبيّ!
لأنّ الوضع العربيّ ليس تركيًّا، بل لا زال عربيًّا (باستنكاراته الشديدة اللهجة التي تُرْعِد فرائص الأعداء، وبكلامه الشاجب الذي يشجّ جبينَ كلّ معتدٍ ويشلّ إرادته، وبإداناته الهدّارة التي في نهاية المطاف لا تُدين سواه هو)، لأنّه كذلك نتساءل: ماذا ستفعل الآن تركيّا -تركيّا لا دُوَلُ العرب-؟ لو كان الوضع العربيّ تركيًّا، لتساءلنا: ماذا ستفعل الآن دولُ العرب؟
لِمَ نطرح مثل هذا التساؤل المرّ مرارةَ أحوالنا: ماذا ستفعل الآن تركيّا؟
إليك السرّ غير الخفيّ: لأنّ تركيّا دولة.
