//
الأحداث السياسية التي جرت حتى الآن في عدد من الأقطار العربية وأسقطت الرؤساء والحكومات فيها، ووُصفت هذه الأحداث بـ "الربيع العربي" أكدت بأنه ليس كل تغيير يحصل في قطر عربي، يستحق الاعتبار بأنه ارتقاء وتصحيح للمسار، فالانقلابات هذه التي أسموها ثورات في تونس، ومصر، وليبيا واليمن فهي طالما لم تختر التغيير النوعي الشامل المنشود فكريًا وسياسيًا واجتماعيًا، أي التغيير الذي يصب في مصلحة الجماهير الكادحة العمالية والفلاحية وصغار الكتبة وما شابه من أصحاب الدخل المحدود الذين هم الأكثرية الساحقة من المواطنين في كل الأقطار العربية، فهو تغيير لا يستحق تسميته بالربيع العربي. فهو شتاء وليس بربيع حتى يومنا هذا، ونأمل ونرجو ان يصبح ربيعًا عربيًا بحق وحقيق أيّ أن يثمر وينتج حلولا عملية ناجعة للمشاكل التي تشتكي منها الجماهير. وأن لا تتبدد وتزول الأحلام الوردية التي بشّرت بها هذه الأحداث في عدد من أقطارنا العربية.
وبخصوص نظام الحكم في وطننا الحبيب سورية، الذي يتعرض منذ عام ونصف العام لمؤامرة مسنودة من دول امبريالية، في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، ومدعومة بكل ما تعنيه هذه الكلمة ماليًا وإعلاميًا وبإجراءات عدائية مسلحة، من أنظمة عربية رجعية في مقدمتها النظامان السعودي والقطري. فهو النظام العربي الوحيد حتى الآن الذي رغم ما يتعرض له من إجراءات معادية منها استعمال السلاح الحربي وسفك الدماء وتفجير خطوط المواصلات وتلغيم الجسور وما شابه من إجراءات عدوانية دموية وتخريبية، فلا يزال مدعومًا من الأغلبية الساحقة من الشعب في سورية ومن كافة الجهات التقدمية والشريفة في الوطن العربي والعالم اجمع.
سورية هي أكثر دولة تقدمية بين الدول العربية، وهي علمانية وتفصل بين الدولة والدين، ومنذ زوال الاستعمار الفرنسي عن ترابها في نيسان عام 1946 شعارها "الدين لله والوطن للجميع" ورغم تعدد الطوائف والمذاهب الدينية فيها، الوحدة الوطنية راسخة وصلبة في أرجاء سورية. ومنذ العقد السابع من القرن الماضي فهي تحتضن التعددية الحزبية في مجلس الشعب، وفي مجلس الوزراء، وفي الفترة الأخيرة سمحت بتشكيل أحزاب جديدة. ودستورها الجديد ضمن للعمال والفلاحين نصف مقاعد مجلس الشعب الجديد الذين عددهم الإجمالي 250 عضوًا بينهم 30 من النساء. ورغم ثروات سورية المتواضعة من البترول والغاز والمعادن، فهي اقل الدول العربية تأثرًا بالأزمات الاقتصادية. وهي تعتمد على ذاتها وتحاول بشكل متواصل تحقيق المزيد من النموّ والحداثة. وذلك بالرغم من التآمر عليها والمساس بها من الأعداء والمغرضين.
بات واضحًا وجليًا للعيان، أن سورية الآن ليست أمام مؤامرة عادية، بل تجابه مخططا تآمريا خطيرًا معاديا لنظامها وخياراتها ومواقفها وقيادتها السياسية، وهذا المخطط يصب في صالح الأطماع التوسعية الإسرائيلية، والقصد الرئيسي منه إجهاض قوة سورية وإرغامها على الاصطفاف مع المفرِّطين بالحقوق الفلسطينية والعربية المشروعة، ونجاح هذا المخطط هو أيضًا لصالح الدول الامبريالية، ومع ذلك تؤيده الدول العربية المتذيلة للولايات المتحدة الأمريكية والخادمة لأطماعها ومآربها. وهذا لصالح إسرائيل وحكامها التوسعيين المتنكرين للشرعية الدولية ولمشروع السلام الذي وافقت إسرائيل عليه في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 ثم تنكرت له بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الأخرى في حلف وارسو التي كانت سندًا ونصيرًا لتحقيق السلام العادل في منطقتنا والعالم اجمع.
هذا وأصبح واضحًا ومؤكدًا، بأن سورية منذ عام ونصف العام، تواجه مؤامرة غير عادية مدبرة من أمريكا وحلفائها حكام السعودية وقطر وآخرين من الأجانب والعرب. هدفهم إسقاط النظام الوطني الحالي في سورية، واستبداله بنظام خانع وخاضع لرغبات الإدارة الأمريكية والدول الامبريالية الأخرى ومتجانس في سياسته وأدائه مع الأنظمة العربية الرجعية في مقدمتها النظامان السعودي والقطري ومن هم على شاكلتهما من الأنظمة العربية وغير العربية في المنطقة، الذين إراداتهم السياسية مرتهنة للإدارة الأمريكية ودول امبريالية أخرى مساندة دائما لإسرائيل وأطماعها التوسعية المجهضة لمطلب السلام العادل المنشود.
هذا ومما يقطع الأمل بإتباع الإدارة الأمريكية سياسة غير منحازة لإسرائيل ولأطماعها التوسعية، وعلينا ان لا ننساه، هو أن الإدارة الأمريكية، إرادتها مرتهنة أيضًا للمنظمة الصهيونية الأمريكية، وذلك بسبب الانتخابات لرئاسة الجمهورية، وللكونغرس ولمجلس الشيوخ. فالذين يترشحون للفوز بهذه المناصب، يحتاجون لأصوات المواطنين الناخبين اليهود في أمريكا، وهذا يصب في مصلحة إسرائيل، لأنه يسهم في تسخير الذين يمتهنون العمل السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية، لبذل الدعم المتواصل لإسرائيل كما لو هي ولاية أمريكية. وذلك لكي ينالوا أصوات الناخبين اليهود الأمريكان في الانتخابات، وربما ينالون أيضًا مكافآت مالية مقابل الأصوات التي منحت للمرشحين من الحزب الديمقراطي أو الجمهوري.
زد على ذلك حقيقة أخرى هي ان إسرائيل بالنسبة لأمريكا ودول امبريالية أخرى هي بمثابة معسكر أمامي لهم في هذه المنطقة من العالم، ولو بشكل غير مباشر. وأمام هذا الواقع فان الحالمين بان أمريكا تشد أزرهم إذا كان ذلك على حساب إسرائيل هم واهمون، طالما أن العرب غير متحدين ولا يضمهم أي شكل من أشكال الاتحاد، لهذا فان موقف سورية غير التابع كسواه من أنظمة عربية رجعية همها الأول والأخير في حدود مصلحة حكامها من ملوك وأمراء وما شابه. وطالما أن العرب غير متحدين وضعفاء، فموقف سورية المستقل وغير التابع والنابع من الحرص على الكرامة والمصلحة العربية هو الموقف الصحيح والسليم والذي يحفظ كرامتها ومصلحة شعبها حاضرًا ومستقبلا. وهي متأكدة بان الرهان على أمريكا هو رهان خاسر وفيه إهدار للكرامة الوطنية وإضاعة للكثير من المكتسبات المعنوية بدون أية فائدة تصب في المصلحة السورية خاصة والعربية عامة، فان ما تمثله سورية من عراقة تاريخية ونموذج وقدوة ايجابية بين أشقائها العرب، لا يليق بها ان تحذو في يوم من الأيام في سيرها كغيرها من العربان التابعين والمتذيلين لأمريكا. وأمام هذا الواقع فسورية مستمرة في صمودها وسياستها الحرة والمتحررة من أية تبعية للأجانب وتحمل مسؤوليتها الوطنية والقومية بكل أمانة وإخلاص. وهي مع كل جهة عربية مقاومة للأطماع الأجنبية وتقف دائمًا مع الأشقاء المناضلين من اجل استرداد الأرض والحقوق المغتصبة والمحتلة. وهذا يعبّر عن إرادة شعبنا العربي السوري الذي يقف اليوم بأكثريته الساحقة مع القيادة السورية الوطنية والعروبية والتقدمية ضد المؤامرة المسلحة التي تتعرض لها سورية اليوم.
ونحن المواطنين العرب السوريين في الجولان المحتل بأكثريتنا الساحقة نتمنى من صميم قلوبنا الخير والنجاح والنصر والكرامة لوطننا الحبيب سورية، وليس عندنا أي تردد في خيارنا المؤيد للقيادة السورية وفي مقدمتها الرئيس بشار الأسد، فهي حسب قناعتنا تستحق كل الثقة بها وبولائها لمصلحة وكرامة شعبنا ووطننا السوري الحبيب، ولمصلحة وكرامة امتنا العربية بشكل عام.
(مجدل شمس – الجولان العربي السوري المحتل)
