أما لِليل القمع من آخر؟!

single
قبل أيام وصل إلى بلاد السمن والعسل الطبيبان الدنماركي والأمريكاني لمشاركة أطباء فلسطينيين في فحص جثمانَيِ الشهيدين اليافعين نديم نوارة ومحمد سلامة اللذين سقطا برصاص الاحتلال خلال مسيرة سلمية لذكرى النكبة في الخامس عشر من أيار.
كعادتها في أعقاب أحداث مماثلة، اعتبرت منظمة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) هذا القتل ضربًا من جرائم الحرب.
بعد هذا بأيام تنادى أفراد من شرطة بلادنا ومعهم مجموعة من موظفي دائرة أراضي إسرائيل لمداهمة ثلاثة يافعين من قرية إقرث كانوا يحرسون كنيسة القرية داخل خيمة نصبوها في ساحتها. لقد استبدل المداهمون حوار الرصاص بحوار الهراوى واللكمات والشتائم وعاثوا فسادًا وتخريبًا في محيط الكنيسة.
في سياق مقارنتنا بين الحدثين (الرصاص والمداهمة) يبدو ان تأديب عرب الداخل من مشردين مهجرين يجري بأسلوب اقل عنفًا وبشاعة من نهج مناطحة فلسطينيي اللاداخل. والسؤال: لماذا يتواجد شباب اقرث في محيط كنيستهم؟ والجواب ببساطة: لأنهم على يقين بأن حقهم الإنساني المشروع ذو جذور ممتدة عميقًا في تراب آبائهم وأجدادهم. بهذه الجذور تتكحّل عيونهم وتزهو أذهانهم.. بتواجدهم هناك يريدون رعاية الكنيسة وصيانتها لتبقى مقامًا روحيًا ووطنيًا يجتمع فيه أصحاب البيت والتراب.. بين جدرانها يُنشدون حنينهم ويطلقون صلواتهم لاستعادة ما سُلب منهم ظلمًا وانتهاكًا.
في تعاملهم اللاحضاري واللاديمقراطي يرتدي المداهمون الجائرون عباءات أصحاب (الدار والمُلك) فيقلعون شجيرات نامية وورودًا جميلة يرعاها شباب القرية وأبناء الكنيسة في أحواض صغيرة في فناء كنيسة يجاهر المداهمون السالبون بأنها على ارض لهم وكأن الكنيسة كنيسٌ لهم!!
هكذا يُعامِلُ حماة الديمقراطية في بلادنا شبابًا يريدون وبحق أن يكونوا حماة لديارهم من خلال سعيهم إلى تحقيق أحلامهم في العودة إلى قريتهم وهم أحياء يرزقون قبل عودتهم المتاحة جثامين هامدة إلى مدافن الآباء والأجداد.
أنا لا اعرف الشباب اليافعين شخصيًا، لكنني اعرف أهلهم الطيبين فهم لحمي ودمي وأبناء بلدي المسالمين.. هؤلاء الشباب مفاخر قوم وقامات اعتزاز لنا جميعًا.. بهم ومعهم سيصبح الحلم حقيقة.. انهم عرب مسيحيون يعتمرون محبة قوميتهم ويحفظون تعاليم الفادي العظيم التي بهديها أتى البابا فرنسيس لزيارة مشرقنا. هل يعلم قداسته ان مضيفيه الذين اصطحبوه إلى المبكى "ويَدْ فَشِمْ" وضريح هرتسل ينتهكون هكذا حقوق على ارض بِيعة كاثوليكية تحرسها جماعة من الأبناء في ارض آبائهم؟!
بوركتم يا (ولاء) ويا (جريس) ويا (نضال)... بوركتم يا روائح الجنة... انتم أبدًا على درب الصواب.. عَلّموا اخوتكم الصغار ليرددوا معكم أبيات زجل نقشها في كتابه (شروق وغروب) قريبي وصديقي وابن بلدي (أبو نعمة) معروف أشقر:
موطني ما لي سواه       موطني ذخر ثمين
إني لن أنسى هواه        إنه داء الشجين
إن كلام السلام والعدل الذي سمعناه واستعذبناه أثناء زيارة الحبر الأعظم سيبقى كلمات على صفحات الماء.. كلمات معسولة.. لمناسبات عابرة بعيدًا عن الصدق والإنسانية.. في محاربتهم لشباب اقرث أقرأُ محاربة لعدالة السماء!! وفي قتلهم للأبرياء أقرأُ قتلا للديمقراطية وحقوق الإنسان

قد يهمّكم أيضا..
featured

ليس بالقدّ والوزن تُعرّف الرّجال

featured

الكاوتشوك لنا والمرايا لنا وليس لهم الا الصمت

featured

الدين لله والأخوَّة لنا (الجزء الثاني)

featured

في مديح يوم الأرض الفلسطيني: آذار ربيعنا الأول

featured

"ميني" حلة حكم

featured

بعد مليونية غزة هل سنشهد ألفية الأغوار؟