*حلة الحكم سائدة فقط بما يخص العرب، بين بعضهم البعض. لدى حدوث الشجارات والزعرنات والاعتداءات على الأملاك العامة والخاصة. ولكن بما يخص العام، على مستوى الدولة، فكل شيء مختلف، فجأة يسود القانون والنظام، ابتداءً من الرد السريع في القضايا الأمنية حتى دفع الضرائب وثمن الهاتف والكهرباء وغير ذلك.. هنا الدولة قائمة بكل جبروتها..*
تُظهر الإحصائيات التي نشرتها الشرطة في اليوم الأخير من السنة الفائتة، أرقامًا مهولة حول وضع الجريمة وانفلات العنف في المجتمع؛ 59% من جرائم القتل في إسرائيل جرت بين العرب (71 حالة قتل من أصل 121 حالة). ومن بين 741 حالة إطلاق النار، 584 منها جرت بين العرب (حوالي 80%).
هذه الأرقام لا تعكس عمق الأزمة التي نعيشها بالشكل الكامل. الأزمة تتضح بكل خطورتها، برد الفعل الجماهيري الباهت أمام هذه الإحصائيات. هذا الرد، غير الموجود أصلاً، يعكس حالة التسليم بهذه الأزمة وكأنها القضاء والقدر.
الحقيقة أن ما يجري بين الجمهور العربي هو أشبه ما يكون بحلة الحكم، فهل يملك أحد ما القناعة بأن الشرطة ستجد السارق الذي اقتحم البيت؟ وهل يملك أحد ما القناعة بأن الشرطة ستعتقل الفرد الذي أطلق النار في الهواء: في طوشة أو في عرس؟ هنالك حالة من التسليم بين العرب أن الشرطة عاجزة، ولا تستطيع أن تقوم بدورها. وعندما يسلّم المواطن بأن حقه، ناهيك عن دمه، مهدور، فهذا وجه من أوجه "حلة الحكم".
حلة الحكم، بمفهومها الأساسي هي أن القانون غائب، وأنه بقوة الذراع- ذراعك، التي قد تكون مكسورة أو "مرضوضة"- يجب أن تحصّل حقك وأن تدافع عن نفسك. وفي ظل تصاعد وتطوير وسائل القتال، يصبح الفرد بيننا بدون حماية عائلة، أو مجموعة قبضايات، ضائعًا.
حلة الحكم هي اسم مرعب في تاريخ الشعب الفلسطيني، ولدى العودة لهذا التاريخ فإن "حلة الحكم" التي شهدها هذا الشعب في الهامش الواسع لثورة 1936 المجيدة (ما بين 1939-1936)، تعتبر من الأيام العصيبة التي مر بها الشعب الفلسطيني، وهنالك من يذهب إلى أنها أثرت سلبيًا على معنويات الجماهير في العام 48- عام النكبة (اقرأ في هذا الصدد الكتاب الهام لعبد المجيد حمدان "إطلالة على القضية الفلسطينية- الجزء الثاني").
هنالك حاجة لدراسة مفصلة لهذا التاريخ، حتى العام 1939، حين غابت القيادة الموحدة وحدثت الفوضى- فوضى السلاح، وتم باسم الثورة الاعتداء على أملاك الناس وتم هدر دم الأبرياء. ولدى كبار السن جدًا، الذين بأغلبيتهم الساحقة لم يعودوا بيننا، ذكريات مؤلمة عن هذه الفترة.
والشيء بالشيء يذكر، فبرأيي أن الفترة الأخيرة للانتفاضة المجيدة في العام 88، كانت من العوامل الهامة التي دعت عرفات والقيادة الفلسطينية، للقبول باتفاقات أوسلو، على محدوديتها ونواقصها. والمقصود هنا حالة "حلة الحكم"، أو فوضى السلاح، التي سادت المناطق الفلسطينية المحتلة وما جرته من انشقاقات وحالة لا تحتمل في صفوف الشعب الفلسطيني.
ولأن هنالك حاجة للتعلم من التاريخ، ولئلا نغرق في سوداوية زائدة، وكأننا غير قادرين على إدارة شؤوننا، "والدليل"، كما يحاولون إقناعنا به، هو حالة الانشقاق التي تسود مجتمعنا في كل ما يذهب إليه.. أمام ذلك يجب التأكيد على نقطة مركزية، أن حالة فوضى السلاح، التي رافقت ثورة الستة وثلاثين وتلك التي حدثت في نهاية الانتفاضة الأولى، كانت في ظل حكم مركزي: الأول استعمار مدجج بالسلاح من رأسه حتى أخمص قدميه، وأكثر من ذلك فهو مدجج بتجربة طويلة في حكم القانون. والثاني احتلال إسرائيلي، في نهاية الانتفاضة الأولى، لا يقل عن الأول سلاحاً وتجربة وفهما في القانون وسيادته.
ما أريد قوله هنا أن الاستعمار الانجليزي في فلسطين، والاحتلال الإسرائيلي في الضفة وغزة، تركوا الأمور على سجيتها: "بطيخ يكسر بعضه و.. يذبح بعضه". وفيما بعد، وعلى بعد 36 عامًا من ثورة ال 36، قال مناحيم بيغن، رئيس الوزراء، آنذاك: "الأغيار يقتلون الأغيار، فما شأن اليهود؟"، والحديث كان يجري عن مجزرة صبرا وشاتيلا التي نفذتها قطعان الكتائب المتحالفة مع الجيش الإسرائيلي، المسيطر على المنطقة، في العام 1982.
وللتاريخ، وفي هذا السياق، يبرز سؤال في منتهى الأهمية: لماذا انتهت فوضى السلاح في العام 1939، بالضبط عشية الحرب العالمية الثانية؟ فهل تعب العرب من قتل بعضهم البعض؟ أم أن بريطانيا أرادت وقف كل نشاط عسكري، لتتفرغ لمهمتها الكبرى في الحرب العالمية الثانية؟ ليس لدي جواب قاطع، لأن الجواب القاطع يتطلب دراسة وافية، وللأسف لا تتوفر لدي الأدوات لذلك، وربما هي دعوة للمهتمين أن يمدونا بالجواب. ولكن هنالك من كبار السن، ممن يؤكدون هذا الاستنتاج، بأن بريطانيا، كانت "مرتاحة" لفوضى السلاح، وفقط عندما انشغلت بأمر أهم قامت بجمعه. لا يمكن الاستهتار ببعد نظر كبار السن حتى لو يملكوا أدوات التحليل العلمي.
ونعود إلى المقدمة، حول فاعلية الجهاز القانوني والشرطوي في البلاد، وبعد هذا الإبحار، على الخفيف، في هذا التاريخ، نتساءل: هل نحن في مرحلة أخرى، وبشكل فظ أكثر من إتاحة الفوضى وحلة الحكم بين الجماهير العربية في إسرائيل، في ظل حكم مركزي يعتمد مقاييس عالية في سيادة وتطبيق القانون، ابتداءً من محاكمة رئيس الحكومة ورئيس الدولة؟ وهنا لا يمكن الاستماع، إلا بغضب، لتبرير الشرطة لقصورها في حماية أرواح الناس، بأن عدم تعاون العرب معها، هو من أسباب استفحال الجريمة بين العرب.. كل طفل سيقول أنه لو كان هنالك ظل الظل لخلفية أمنية في حدث معين لأقيمت الدنيا ولم تقعد حتى يتم كشف الأمور.
هذه التصريحات وغيرها مفادها إعلان لا لبس فيه أن العرب هم "حالة خاصة"، لديهم العنف مستشري وأن لا حيلة للسلطة أمام ذلك. وبالتالي هذا الإعلان هو بمثابة غسل الأيدي من هذا الدم المراق. وبالضبط في هذا السياق نقول إن حلة الحكم هي ليست كاملة، هي مجتزأة، هي "ميني حلة حكم"؛ حلة حكم سائدة فقط بما يخص العرب، بين بعضهم البعض؛ أي حلة حكم فقط لدى حدوث الشجارات والزعرنات والاعتداءات على الأملاك العامة والخاصة. ولكن بما يخص العام، على مستوى الدولة، فكل شيء مختلف، فجأة يسود القانون والنظام، ابتداءً من الرد السريع في القضايا الأمنية، حتى دفع الضرائب وثمن الهاتف والكهرباء وغير ذلك.. هنا الدولة قائمة بكل جبروتها..
71 شخصًا فقدوا حياتهم في السنة الماضية، وغيرهم عشرات وربما مئات أصيبوا بإصابات قسم منها بالغة قد تدوم طول العمر، ولا أقل من ذلك فهنالك حالة من أجواء الخوف والحزن والغضب، وينشأ الشعور الممض لدى الكثيرين بأن الحياة لم تعد حياة. والدعوة الصميمية التي أطلقها مؤخرًا سكرتير عام الجبهة، أيمن عودة، لمحاربة انتشار الأسلحة المرخصة وغير المرخصة، يجب أن يرافقها برنامج مفصل، باتجاهين، باتجاه السلطة التي في ظل حكمها المركزي تجري حلة الحكم هذه، وباتجاهنا، باتجاه مجتمعنا الذي يجب أن يجري حسابًا شجاعًا مع هذه الظاهرة الأخطر في حياة كل شعب يريد الحياة، ونحن نريد الحياة.
