العودة إلى الفقدان

single

كنت قد وصلت لتوِّي إلى غازي عنتاب في تركيا لاُدرب مجموعة من الناشطين السوريين حول التربية المدنية ومفهوم المواطنة .
أتيت محملة بأسئلة وفضول لا حدود له في محاولة مني لاستكشاف ما يحصل على ارض الواقع.
هناك، بعيدا عن افلام "اليوتيوب" والقنوات التلفزيونية التي تلوح بأجندتها علنا وتجعلني اترنح ما بين الحقيقة والحقيقة.
وفي اغلب الاوقات كنت أصغي أكثر مما اسأل.
وجدت نفسي احلل سلوكيات المشاركين، انظر الى حركاتهم، الى نبرات صوتهم والى عيونهم.
استرق السمع الى الاحاديث الجانبية التي كانت مجردة من كل شيء الا من صراحة الموقف.
لمست الخوف من الآتي، ورأيت كيف يخلق الاستعباد والدكتاتورية جيلا كاملا ما زال يخطو خطواته الاولى نحو الحياة المدنية التي تم سجنها في اقبية التخلف والعبودية لسنوات طويلة، والتي يتم اغتيالها يوميا الآن من قبل النظام والجماعات المسلحة، الاول باسم "الدولة" والآخرين بإسم "الثورة". ولكل جانب مفرداته الخاصة بدءا "بالمؤامرة" و "الممانعة" وصولا إلى "دولة الإسلام في الشام والعراق".
وبين هذه المفردات سقط الشعب السوري من كل الحسابات.
وفي خضم كل المسميات، رأيت أبطالا لا نرى صورهم على شاشات التلفزيون ولا نسمع بأسمائهم. يتقنون حرفة النمل بهدوء وبقوة.
هؤلاء الأبطال رأيتهم في صورة امرأتين سوريتين تناوبتا على دعوتي للعشاء. وكما افعل دائما راقبت كل حركة وكلمة في محاولة لاستكشاف ما بعد الكلام والحديث.
ركبت "الترام" مع صديقي سامي، المنحدر من اصول كردية والذي كان مصدر معلومات متنقل بكل ما يتعلق بالقضية الكردية. مع الوقت، اكتشفنا كم نشبه بعضنا البعض. وكيف يبني الواقع السياسي وعينا فنصبح قريبين رغم الحدود والمسافة.
وصلت الى العنوان المحدد لأجد نفسي في بيت عائلة آل حداد.
  كانت " أم مالك" تحضر الطعام وفي لحظة استثنائية، التفتت ناحيتي وابتسامة صافية تعلو وجهها الأسمر: "تركنا كل بلورنا في سوريا".
 كانت نظرتها، ثاقبة وحادة وكأنها تقول لي بطريقتها الخاصة، "راح كنزي" وكدت انا، الضيفة الغريبة، اهم بالاعتذار عن وجودي.
 "تركنا كل بلورنا في سوريا"، علقت في رأسي ولم تفارقني لأيام.
بعد يومين سأذهب للعَشاء لدى عائلة حلبية، عائلة "عمو" جمال ووالدة "آية".
وقفت والدة آية في المطبخ الصغير لتصب الطعام الذي حضرته خصيصا لاستقبالي، نظرت اليّ ودون الالتفات اليّ، أردفت دون ان تفكر مرتين:
 "تركنا كل بلورنا بسوريا"
حتى تلك اللحظة لم اعلم ان للبلور والزجاج قيمة أكبر من مركباتها العادية.
امرأتان سوريتان لا تعرفان بعضهما البعض.
الأولى من "قطنا" من ريف دمشق والثانية من "حلب".
 لم يلتقيا في سوريا الوطن.
شتتهما السياسة والتدخلات العربية والأجنبية ومزاجات القادة السياسيين و "ايغو" لا سقف له.
شتتهما "العقلانية" تماما مثل ما شتتهما "الثورجية".
الشيء الوحيد الذي جمعهما، هو الفقدان .
فقدان الوطن بالمفهوم الجمعي وفقدان البيت على المستوى الشخصي.
فقدان الأصدقاء، رائحة البهارات، الحنين لصوت الباعة، الأواني التي جمعتها أم مالك وأم آية لسنوات وكانت مصدر فخرهما امام الضيوف، لعب الأطفال، تشققات الحائط، قهوة الصباح والمساء.
باختصار، فقدان الحياة.
رجعت أوتوماتيكيا لعام الـ 1948، لنساء فلسطين اللواتي تركن أوانيهن وطعامهن وروائحهن وذكرياتهن وكل حياتهن.
كنت أرى السيناريو السوري القادم وكم هو شبيه بسيناريو اللجوء الفلسطيني. كنت أرى بوضوح ما لا أريد رؤيته لأنه قاسٍ ومؤلم.
كنت ارى كيف تصير الغصة في القلب والحنين للتفاصيل والحلم بالعودة - روتينا يوميا.
كنت أرى كيف تصير المرأة السورية تماما مثل المرأة الفلسطينية، صاحبة النفَس الطويل في هندسة العائلة والوطن والذاكرة في المنفى.
امرأة عصية على الانكسار.
تنفخ الحياة في ذاكرة اللجوء ولا تنصاع ابدا لجغرافيا المكان.



(*) اكتب هذا المقال ليكون شاهدا على التجربة الانسانية التي مررت بها. لم احلل سياسيا ولا اريد. لأن الواقع مركب اكثر مما تصورت ولن استطيع حصره في نظرية سياسية جافة. هذا المقال لكي نتذكر انفسنا- ربما نستطيع لثوان معدودة الخروج عن حدود النص.
 (هذه الزاوية التي يتناوب على كتابتها عدد من الزميلات، تعود للظهور كالمعتاد يوم الخميس من كل أسبوع، ولم تُنشر أمس لأسباب تقنيّة، مما اقتضى التنويه)

قد يهمّكم أيضا..
featured

كيف تضيّع مملكة

featured

تداعيات منظر الجدار الفاصل

featured

" قد السدرة على القدرة"

featured

الجحيم لمجموعات المصالح المعتدية على دماء الشعب

featured

 "الميدان" ما بين طقّ الحنك وطقّ الجزدان  // 

featured

قطر المال و«الجزيرة».. هل تعتقد انه يمكنها إدارة ملف التغيير في العالم العربي ؟!

featured

هايتي لأوباما .. غضب الطبيعة أقوى من أمريكا