//
كلما قمت بزيارة للقدس وبيت لحم ورام الله وغيرها من مناطق الضفة الغربية صدمني بل قل صعقني منظر الجدار الفاصل العازل الصهيوني وتصوّرتُ حالة هؤلاء التعساء اقصد الاسرائيليين الموغلين في العنصرية لاّنني ارى تعاستهم في افكارهم الهزيلة: كيف لهم ان يتصوّروا ان هذا العمل الشيطاني سوف يحدّ من طموحات الشعب الفلسطيني ما اتعسهم فهل فكّروا كيف تصرّف الوحش النازي عندما حشرهم في غيتوات في المانيا وانحاء واسعة من اوروبا، وكيف ان هذا العزل زادهم عزما واصرارا على الحياة.
بهذا التصرف الصبياني العشوائي المتهوّر جعلوا الشعب الفلسطيني منعزلا. ألم يفكّروا بما حلّ بهم عندما حُشروا بغيتوات الم تتولد لديهم تداعيات من مأساة الشعب الفلسطيني.
كلّما مررت بهذه الجدران راودتني فكرتان:
تعاسة المحتل وضيق أفق تفكيره. وتاْثير هذا الجدار على نفسيّة الفلسطينيين الذين سلبت ارضهم وحاول المحتل المستبد ان يقهرهم في طموحاتهم باقامة دولتهم العتيدة والمستقاة، وجعل
حياتهم مريرة وليس اصعب ولا اقسى من ان تلغي الآخر وتحاول ان تمنع تطلّعاته بعمل كولونيالي همجي. اكاد اصرخ بل اكفر كلّما جابهني هذا الجدار المرعب نفسيا اكثر من رعبه المادي. لقد احتار المحلّلون هل يعتبرون الجدار الفاصل حدودا امنية او حدودا سياسية، وهل يعيد الدولة الى عقليّة ( الغيتو) ام هو امتداد للابارتهايد بحق الفلسطينيين.
انّ اليمين الاسرائيلي رأى في الجدار – في بداية الطريق- تنازلا عن دولة اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات. لا يمكن اعتبار الجدار حدودا سياسية، بل هو هو جدار من اجل اعاقة اقامة دولة فلسطينية مستقبلا.
ولهذا فإن الجدار العنصري الفاصل له ابعاد سياسية واستراتيجية.
وللجدار في العقلية الصهيونية اذا عدنا الى التاريخ قليلا فكرة قديمة وقد تعود حتى الى العقلية اليهودية الدينية: فان اسوار اريحا الحصينة طوّرت الجماعات المتعصبة اليمينية فكرة الاغيار والغيتو. واصبحت الاسوار جزءا من الثقاقة الاجتماعية للوجود الصهيوني حتى في اكثر المجتمعات انفتاحا.
مجرد طرح فكرة الاسوار والجدران كنموذج احتلالي برزت هذه الفكرة في ادب الحركة الصهيونية عندما طرح هرتسل في كتايه (الدولة اليهودية): ان دولة اليهود المنشودة ستكون عبارة عن سور فاصل يفصل حضارة الغرب وتتقدّمه عن- بربرة- الشرق.
إن خيال شارون منذ 1973 هو الذي ارسى لفكرة العزل العنصري لتكوين حدود يمكن الدفاع عنها، واقامة المستوطنات في الضفة الغربية وتحويلها الى معازل.
ولن اناقش ضحالة هذه الفكرة لاّن احسن فكرة للدفاع عن حدود بلادك تكمن في ارساء السلام والديمقراطية بين مواطنيك اولا وتطوير علاقات جوار مسالمة مع جيرانك، وهيهات ان يستوعب هؤلاء فكرة ارتباط الأمن بالسلام. بعد ذلك انتقلت الفكرة - فكرة العزل - الى اجندة الاحزاب الكبرى فمن الليكود انتقلت الفكرة الى اجندة حزب العمل.
ففي 1988 طرح حزب العمل فكرة – هالوفيم- وهو اقتراح اقامة سياج بين الضفة الغربية واسرائيل. لقد شكّلت فكرة اقامة جدار العزل وخطة فك الارتباط استجابة للعقلية الاسرائيلية
في الداخل وتنسجم مع متطلبات الحركة الصهيونية خارجيا ودوليا.
في رأيي لماذا قويت فكرة الجدار الفاصل العازل:
1-ضعف الخط الليبرالي وازدياد قوة الخط اليميني والمتدين داخل الحياة السياسية الداخلية في اسرائيل.
2- عدم قدرة الجانب الاسرائيلي على تقديم استحقاقات للفلسطينيين فانعكست الآية لطالما ادّعت اسرائيل ان العرب والفلسطينيين غير قادرين على تقديم استحقاقات للعملية السلمية.
3- ظهرت آثار سلبية نتيجة الانتفاضة: الوضع الاقتصادي المتدهور وتغيير البنية الاجتماعية في المجتمع الاسرائيلي اذ ازداد اقبال اليهود الشرقيين على دخول الجيش.
4- ازداد الاستيطان اليهودي في الضفة الغربية فقد زاد عدد المستوطنين عن 400 الف مستوطن وزادت البؤرالاستيطانية عن 280 واصبح من مهام الحكومات المتعاقبة المحافظة على المستوطنين والاستيطان لان هذه الحكومات جميعا هي التي شجعتها وموّلتها.
5- تقريبا اضمحلّ وجود حزب العمل وضعف كثيرا بعد سقوط حكومة باراك.
كانت هذه اهم الاسباب الداخلية اما الاسباب الخارجية فاهمها:
1- تداعيات الحادي عشر من سبتمبر وانهماك العالم بالحرب على الارهاب وتصنيف بعض رموز المقاومة بالحركات الارهابية وكان هذا هديّة قدمت لشارون.
2- الصعود المتنامي لحركة حماس سواء في سعة الانتشار الجماهيري او في علاقة حماس بفتح ما اشار الى ان حركة حماس قد تكون جزءا من التركيبة السياسية او هي نفسها التركيبة السياسية المستقبلية.
3- الموقف الدولي من حتمية قيام الدولة الفلسطينية.
ما هي الاهداف المرحلية لاقامة الجدار الفاصل العنصري.
1- اضافة عنصر جديد لطاولة المفاوضات مع الفلسطينيين، مما يجعل المفاوض الفلسطيني قد يقدّم تنازلات.
2- لقد بعث الجدار الفاصل رسالة واضحة الى الشعب الفلسطيني عنوان هذه الرسالة: المستوطنات والجدار هما نتيجة المقاومة مما جعل الاسرائيلي يفكر ان مطالبة الفلسطينيين ستكون اقل من طموحاتهم في السابق، وهنا اود ان انوّه ان كل هذه الافكار الاسرائيلية كانت حلم ليلة صيف مؤلمة لان النتيجة كانت على العكس تماما.
3- الضغط الاقتصادي على الشعب الفلسطيني وازدياد البطالة وسوف تصبح الحاجة ماسّة اكثر للعمل داخل الخط الاخضر.
4- محاولة اقناع العالم ان الشعب الفلسطيني هو شعب همجي ولكن خاب ظنهم وخسئوا.
اما من الناحية الاستراتيجية اهم ما يهدف اليه اقامة الجدار العازل:
1- الغاء اقامة دولة فلسطينية مستقلة.
2- الغاء حق العودة.
إن الانتفاضة صرعت الاسرائيليين العنصريين واثبتت مما لا يدع مجالا للشك على ان الشعب الفلسطبني مُصِرٌّ على اقامة دولته المستقلة كاملة السيادة وكاملة السيادة وهذه تشكّل عقبة لاسرائيل بمختلف الاطياف والمفاهيم.
بعد الانتفاضة سعى شارون الى ضرب محاور مهمة فلسطينية:
ضرب المؤسسات التابعة للسلطة الفلسطينية والمؤسسات التابعة للمقاومة.
استهداف النخب بالقتل والاغتيال ، محاولة ضرب الاقتصاد الفلسطيني بشتى الوسائل والصور .
واهم من كل ذلك تغيير معالم الاراضي الفلسطينية ببناء المستوطنات العشوائية وشق الطرق الالتفافية التي تلتهم نسبة كبيرة من الاراضي، واخيرا بناء الجدار العازل العنصري.
ويعتبر اقامة الجدار العازل هذا اخطر مشروع لاقامة الدولة العتيدة اذ يشكّل طول الجدار 660 كم ما يقارب ضعف طول خط الهدنة ويضم الجدار نحو 10,2 بالمائة من الارض الفلسطينية وتعتبر الاراضي المصادرة من جرّاء الجدار من اخصب الاراضي ونتيجة لاعمال التجريف دمر كثير من اشجار الزيتون والحمضيات ، كما منع الجدار حق البناء 200 متر بعيدا عن الجدار.
كل ما ذكر آنفا يؤدي الى ضرب مقوّمات صمود الانسان الفبسطيني واستنزاف النفسية الفلسطينية وسوف يقطّع اواصر الروابط الاجتماعية مما سيؤدي بالتالي الى الهجرة ، وسوف يمنع الجدار دخول البضائع الفلسطينية الى مناطق الـ48 وبالعكس سوف يسهّل دخول البضائع الاسرائيلية.
واما الهدف الثاني من اقامة الجدار العنصري فيكمن في الغاء حق العودة مما يجعل الاراضي خلف الجدار لا تسمح باستيعاب التوسع الطبيعي للسكان.
كما أقيم الجدار كذلك ليحافظ على جميع المستوطنات ولا يسمح باقامة مشاريع اقتصادية كبيرة.
واما القضية الاخطر فهي القدس او ما يطلق عليه غلاف القدس.
إن الافكار الشيطانية العنصرية لم ولن تمنع تحرر الشعوب فالى جماهير شعبنا المحاصر ان الفجر سينبلج وتضمحل كل الخطط الاستعمارية وسوف تنتصر ارادة الشعوب مهما طال الزمن.
(كفرياسيف)
