كنتُ في البيت جالسًا، "لا حزينًا لا سعيدًا"، وإذ ببيانٍ دقيقٍ رشيق، سريعٍ بديع، يَلِجُ بريديَ الكهربيّ دونما استئذان. وقد تذيّلتْ البيان، يا سادة يا كرام، كوكبةٌ من المثقفين اللامعين، أسماؤهم محفوظة في ملف التحريف. ولأهميّة هذا البيان، وتاريخيّته وتاريخانيّته في آن، وأيضًا لضيق الوقت وضرورة مواكبة المونديال، فقد ارتأيتُ، بعد طول تفكُّرٍ وتبختُر، أن أشيّعه، كاملاً شاملاً، في قوادم حمامة سلامٍ زاجلة داجنة، إلى "الاتحاد" وقرّائها، وخصوصًا من غير المثقفين اللامعين، لعلـّهم يتفكّرون.
"نحن الموقّعون/ات أدناه، مثقفون/ات فلسطينيّون/ات، أصلانيّون/ات ومواطنون/ات، إنسانيّون/ات وليبراليّون/ات وعَلمانيّون/ات، من شتى الأنساق والمشارب والمطاعم فوق الفكريّة وتحت الشمسيّة وما بعد الحداثيّة؛ تنادَيْنا، مُتجاوزينَ الأقفاص الشموليّة والنواصي الأيديولوجيّة، رابئينَ عن التجشّؤات الاستنكافيّة والتشيّؤات الاستخلافيّة، مُستبصرينَ كلّ الرؤى الارتكازيّة، مُستعصرينَ كلّ البؤر الارتوازيّة، مُستشرفينَ كل السيرورات الإرتهانيّة، مُستشرقينَ كلّ الصيرورات الجوهرانيّة، مستغربينَ التمترُسات الحدوديّة، ومُستبطنينَ التموْضُعات الوجوديّة؛ لنُدينَ جريمة الاختطاف البشعة بحق ثلاثة مدنيين إسرائيليين عزّل أبرياء، قبل أسبوعين، ونُدينَ كلّ من لم يدن هذه العملية الإجراميّة التي زعزعت كينونتنا وكياننا وزغزغت أعماق أعماقنا الإنسانيّة والضميريّة؛
"وندينُ، على سبيل التخصيص، قيادة هذه الأقليّة الأصلانيّة، التي تُتأتئ في إدانة الإرهاب الفلسطينيّ، تمامًا كما تأتأت، وما زالت تُتأتئ، في إدانة النظام السوريّ، الأبويّ الدكتاتوريّ، في بلاد الشام، والذي يفتِك بشعبه وبنشطاء حقوق الإنسان القادمين من السّند والهند والشيشان. لقد سقطت هذه القيادة، سقوطًا مُدوّيًا، في أهمّ امتحان؛ امتحان الإنسانية؛
"إنّ هذه القيادة تهرب مرّةً تلو المرّة إلى نظريات المؤامرة السرياليّة، فتارةً يقولون إنّ ثمة شيئًا اسمه "إمبريالية" (وهو كائن متخيَّل يُشاع أنّ له ذراعًا يُدعى "الناتو"، وله زعانف و"دواعش"، تقترف موبقات الفواحش) يريد إسقاط الدولة السوريّة؛ وتارةً يدّعون أنّ إسرائيل هي المعنية بحرف الأنظار وخطف الأبصار عن إفشال المفاوضات، وعن قضية الأسرى والأسيرات؛ لا بل يزعم بعضهم، بكل نفورٍ وسفور، وبلا وجلٍ أو خجلٍ أو ارتياب، أنّ إسرائيل دولة إرهاب!".
وتابع البيان: "نحن طبعًا ضد الاحتلال، وضد تجاوزات الاحتلال، وخروقات الاحتلال، ونحن طبعًا مع الأسرى في سجون الاحتلال. صحيحٌ أننا لم نكتب هذا، لا في الصحافة الإسرائيليّة ولا في تلك الخليجيّة، ولكننا كذلك، قلبًا وقالبًا. بل أكثر من ذلك: فإنّنا نسمحُ للشعب الفلسطينيّ بأن يقاوم الاحتلال! لكنّ عليه أن يفعل هذا دون خدش الحياة، أو الحياء، فعلى هذه الأرض ما يستحقّ الحياء؛
"وقد تناديْنا تناديًا، من كلّ الفجوج والجهات، فتهافتْنا تهافُتًا، فرادًى وزرافات، على كتابة المقالات، في أعمدة الرأي الحرّ في الصحف والجورنالات، نشجب فيها هذا الاختطاف الهمجيّ، ونشمئز عبْرها من هذا الجبن القياديّ، ونحيّي موقف السلطة الفلسطينيّة الحكيم الحليم، الذي لا تضاهيه حكمةً وحنكةً إلا مواقف المعارضة السوريّة الصميميّة، التي لم تخش من وضع يدها في الأيدي الأمريكيّة والخليجيّة الناصعة، لتزبغَ شمسُ الثورة الساطعة؛
"إنّ ضميرنا الثقافيّ والإنسانيّ، والوطنيّ كذلك، يحتّم علينا أن نقول قولنا هذا، ونستغفر الله لنا ولكم ولسائر الفلسطينيين". وإلى هُنا ما هو مُتاح، من الكلام المُباح، في هذا الصّباح، من هذا البيان الصدّاح.