بيضٌ صنائعُنا

single

لكُلِّ دولةٍ علَمُها الخاصُّ بها، ترفعُه على أعلى ناصية في المنطقة، في المناسبات العامَّة والأعياد الوطنيَّة، عاليًا، وتُنكَّسه، بإنزاله إلى نصفها، في الأحزان الوطنيَّة والمآسي ويُخفَضُ كذلك بفقدان زعيم الدَّولة أو شخصٍ آخر له مركز هامٌّ فيها. ويقف طلاَّب المدارس أمام علَمهم الوطنيِّ أو حوله، منتصبي القامات، مرفوعي الهامات، جباههم تُقبِّل السَّماء، صدورهم في مقدِّمتهم، تحيَّةً للعلَم، ينشدون بصوت واحد النَّشيد الوطنيَّ، وعندما يُطلب الشَّابُّ الى الجنديَّة يقولون ذهب تلبيةً لنداء العلَم والواجب، ذهب لخدمة الوطن.
ولكلِّ حركةٍ سياسيَّة أو اجتماعيَّة أو دينيَّة أيضًا علمُها الخاصُّ بها، ترفعه في مناسباتها وأعيادها ومهرجاناتها، وهذا الأمر محصور ومقتصر على هذه الفئة أو تلك، ولا يشمل باقي المواطنين في الوطن، على اختلاف عقائدهم ومذاهبهم وانتماءاتهم..
وعندما يكون الوطنُ محتلاًّ، تُرفع أعلامه في المظاهرات والتَّظاهرات الشَّعبيَّة، تحدِّيًا للغاصبين ورمزًا نضاليًّا يُثبت للمحتلِّ أنَّه مهما "شبط ولبط يبقى زلط"، وتُحيطُ ثُلَّة من الشَّباب رافع العلم الملثَّم لتحميه، بل وترفعه على الأكتاف ليكون البيرق أعلى نقطة فوق رؤوس المتظاهرين، تحيطه وتحتاط بذلك من كشف وجهه أمام رجال الشُّرطة أو الجنود أو عملاء السُّلطة حتى لا يشوا به ولا تصيبه نائبةٌ، وحتَّى لا يُنزل العلَم من يده، وبهاذا يكون التَّأكيد دائمًا على أن يبقى العلَم مرفوعًا فوق الرُّؤوس رغم العاتيات والنَّائبات، ويكون العلَم قِبلة المتظاهرين وقُبلتهم..
إنَّ العلَم الفلسطينيَّ، رُباعيَّ الألوان، يُمثِّلُ رايةَ الوحدة العربيَّة، حيث أنَّه من
الواجب على الأمَّة العربيَّة أن تتوحَّد حول علَمها وقضيَّتها المركزيَّة، فلسطين،  وكم من مرَّة اعتُقل وسُجن حامله وتعرَّض للخطرِ، وكذلك من أحضره ومن خيَّطه، وكثيرًا ما كان يدفع الشَّباب حياتهم وفاءً وحرصًا على رفعه، خاصَّةً عندما كانوا يتبارزون في ما بينهم، ليكون أعلى وأعلى، فمنهم من صُعِق بالتيَّار الكهربائيِّ عندما رفعه على عمود الكهرباء ومنهم من سقط مستشهدًا من على مئذنة الجامع أو الكنيسة، ومنهم من بقي حول المكان الذي يُرفع به العلم ليحرسه ويُحافظ عليه.
لقد قال الشَّاعر العراقيُّ صفيُّ الدِّين الحلِّيِّ، في دفاع العرب في بلاد الرَّافدين عن زوراء بلادهم من هجوم التَّتر وهمجيَّتهم أيَّام الخلافة العبَّاسيَّة، في قصيدة مطلعها سل الرِّماح العوالي عن معالينا:
إنَّا لقومٌ أبت أخلاقُنا شرفًا أن نبتدي بالأذى من ليس يؤذينا
بيضٌ صنائعنا خضرٌ مرابعنا سودٌ وقائعنا حمرٌ مواضينا
حين صنعَ مقاومو غزَّة وقطاعها نصرهم المؤزَّر، ظهر من استثمر هذا النَّصر وابعده عن مفهومه ومغزاه، ورأيتَ زحفَ الجماهير إلى الميادين العامَّة محتفلين به وهم يرفعون رايات أحزابهم، بعد أن غيَّبوا بنود وجودهم وبيارق دولته ورايات وطنهم، ورفعوا الأعلام السَّوداء والخضراء والصَّفراء، فلو أنَّ المُشاهِد لم يرَ اسم غزَّة مدوَّنًا على الشَّاشات المرئيَّة أو الألكترونيَّة لما عرف مكان الاحتفالات، وبدلاً من أن يستثمر أصحاب الصُّمود والثَّبات نصرَهم، استثمرته أموال الحمدين وآل سعود ومحمَّد مرسي ومخابراته وكانت تداعيات هذا الموقف أن حادت القيادة، هناك، ولا عجب، عن مطالب شعبها وأمانيه وطموحاته ورؤياه، حين أتى هؤلاء ومبعوثوهم غزَّة هاشم التي لن تركع، ليستبدلوا بيارقها الخفَّاقة بألوانها الأربعة ببيارق بيضاء، ما داموا لا يرفعون العلم الفلسطينيَّ..بينما ترى في الطَّرف الثَّاني من الشَّريط الحدوديِّ للوطن، وفي هذه الأيَّام بالذّات، يحمل الاسرائيليُّون، رغم هزيمتهم، علمهم بخطَّيه الأزرقين من النِّيل إلى الفرات، تأكيدًا على حقِّهم في وطننا العربيِّ، فأين بنو فلسطين من علمهم ورمزهم ووجودهم وكيانهم ونضالهم، أين هي الصَّنائع البيضاء والمواضي الحمراء والمرابع الخضراء والوقائع السَّوداء، التي أنزلت بالمعتدين، في العدوان الأخير..
لذلك إرفع علَم وحدتنا، رباعيَّ الألوان، يا أخي/أختي منتصبًا ولا ترفع/ي غيره عاليًا..

 حيفا

قد يهمّكم أيضا..
featured

شطحات عن الديمقراطية وبعض الديقراطيين!

featured

مشاريع الاغتيال

featured

تهديدات اسرائيلية جديدة

featured

خيارات وحسابات مركّبة أمام الإدارة الأمريكية: بين نار الجمهوريين ورمضاء نتنياهو وسائر أزمات المنطقة

featured

شرعنة للفصل العنصري

featured

لا سلام بدون اطلاق سراح الاسرى !