ردّة الفعل الأميركية الأخيرة تعكس إحباطًا ينسحب أيضًا على أزمات أفغانستان والعراق وإيران ويرتبط بالانتخابات النصفية للكونغرس
أفضى "النزاع العلني" الذي بين واشنطن وتل أبيب هذا الأسبوع بإدارة أوباما إلى مواجهة مجموعة من الخيارات التي تنطوي على مخاطر، في وقت تقوم فيه بتقييم المرحلة القادمة من جهود صنع السلام المتعثرة في الشرق الأوسط، ووسط إحباط من عدم وجود إنجازات ملموسة للإستراتيجية الأمريكية الجديدة في قضايا المنطقة، لا سيما الملف النووي الإيراني.
كان رد فعل الولايات المتحدة أن أبدت بشكل نادر قدرا كبيرا من "الغضب المعلن" (والمحسوب وربما المُنسّق برأي البعض) إزاء إعلان إسرائيل اعتزامها بناء 1,600 وحدة سكنية في القدس الشرقية، في خطوة تهدّد بنسف الجهود السياسية التي تقودها الولايات المتحدة لاستئناف محادثات السلام الإسرائيلية الفلسطينية المتوقفة منذ أكثر من عام.
وتطالب القيادة الفلسطينية بوقف الخطة الاستيطانية قبل بدء أي محادثات، مباشرة أو غير مباشرة. وربما تحدد الخطوة التالية لإسرائيل وطريقة رد فعل الولايات المتحدة ما إذا كان سيجري استئناف المحادثات وكيف ستتطور العلاقات مع حليفة واشنطن الرئيسية في الشرق الأوسط خلال الأشهر المقبلة.
* سر الغضب الأمريكي
جاء إعلان إسرائيل خلال زيارة لجو بايدن نائب الرئيس الأميركي الذي كان في مهمة لحشد التأييد للجهود الأمريكية ولكسر التوتر الذي اعترى العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. وأدان بايدن الإعلان عن بناء مستوطنات جديدة وشدّد مسؤولون أميركيون كبار منهم وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون من نبرتهم ووصفوا هذه الخطوة بأنها "إهانة" ومؤشر سيء للعلاقات الأميركية الإسرائيلية. وطالبت الولايات المتحدة إسرائيل بإلغاء المخطط الاستيطاني المذكور، والقيام بتسهيلات عملية ("لفتات") تجاه الفلسطينيين، وإعلان نتنياهو بأن جميع قضايا الحل النهائي، بما فيها القدس، مطروحة للتفاوض، وذلك لتأكيد التزام واشنطن تجاه عملية السلام في الشرق الأوسط، بعد موافقتها على استثناء القدس من قرار "التجميد" الإسرائيلي.
ويقول محللون سياسيون إن رد الفعل الأميركي يعكس مشاعر الإحباط الشديدة إزاء الخطوات التي تحول دون استئناف محادثات الشرق الأوسط، وهي هدف رئيسي للولايات المتحدة مرتبط بتحديات أكثر حدة بما في ذلك أزمة الاحتلال في أفغانستان والعراق والأزمة المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والجهود الأميركية الرامية إلى "تحسين العلاقات مع العالم الإسلامي".
وقال حاييم مالكا نائب مدير برنامج الشرق الأوسط في مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية في واشنطن: "ليس بالضرورة أن تساعد المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين تلك الجهود. لكن عدم وجود محادثات إسرائيلية فلسطينية يزيد الأمر صعوبة".
* جدوى الموقف الأميركي
على الرغم من الغضب الشديد إزاء الإعلان عن بناء الوحدات السكنية للمستوطنين يؤكد مسؤولون أميركيون على أن العلاقات الأميركية الإسرائيلية ما زالت قوية وأشادت كلينتون بالرباط بين البلدين الذي "لا يمكن أن ينفصم".
ويقول محللون سياسيون أن هذه الأزمة ربما تلقي بظلالها على ضغوط أشد تمارسها الولايات المتحدة على إسرائيل لتقديم تنازلات لإعادة الفلسطينيين إلى مائدة المفاوضات وهي تنازلات ربما لا يكون في مقدرة نتنياهو تقديمها في ظل التوازنات السياسية التي يواجهها في الداخل.
وقال ستيفن كوهين رئيس معهد السلام والتنمية في الشرق الأوسط "الأمر الحاسم هو ما إذا كان نتنياهو وأوباما بينهما فهم مشترك حول وجهتهما... ليس هناك مؤشر واضح على أن هذا هو الموقف".
ومن المرجح أن يكون الموقف الأميركي الأكثر تشددا تجاه إسرائيل مدعاة لسعادة الفلسطينيين وغيرهم في الدول العربية وربما ينتظرون لمحاولة الحصول على المزيد من التنازلات من إسرائيل. لكن إذا أصبحت التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل شديدة وإذا تراجع التأثير الأميركي على الزعماء الإسرائيليين فان الفلسطينيين ربما يرون أن عملية السلام قد فقدت أكبر داعميها.
* الجمهوريون في المرصاد
تواجه إدارة أوباما المخاطر الخاصة بها عندما تتخذ موقفا متشددا من إسرائيل التي تتمتع منذ إقامتها عام 1948 بدعم قوي من الولايات المتحدة. ويواجه الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه أوباما انتخابات صعبة للتجديد النصفي في الكونغرس هذا العام واستغل الجمهوريون "قضية إسرائيل" باعتبارها مؤشرا على ضعف أوباما في قضايا الأمن الأساسية.
وقال اريك كانتور عضو مجلس النواب وهو ثاني أكبر شخصية بالمجلس من الحزب الجمهوري "لا يمكن أن نهاجم من مكاننا هذا حليفتنا ثم نريدها أن تتحلى بالصبر والتفاهم مع إيران". وربما تؤدي إثارة استياء الجماعات الموالية لإسرائيل التي أوضحت عدم رضاها عن انتقاد إسرائيل إلى الإضرار بإدارة أوباما سياسيا.
وعلى الصعيد الدولي ربما تكون الولايات المتحدة قد وقّعت شيكًا دون رصيد إزاء الخطوات التي تبدي استعدادها للقيام بها لإعادة محادثات السلام في الشرق الأوسط إلى مسارها. ومن المرجح أن يتعرّض مسؤولون أميركيون لضغوط "الرباعية" لإظهار أن الإستراتيجية الأميركية تحقق نجاحا.
وقال كوهين وهو محلل للسياسات الأميركية في الشرق الأوسط أن "الأصدقاء والأعداء على حد سواء سيرقبون الأوضاع بحذر لمعرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة لإدارة الوضع وقادرة على ذلك بما يمكن أن يكون له من تداعيات بعيدة الأثر". وأضاف "إذا اعتقدوا أن الولايات المتحدة تتنصل من مسؤوليتها تجاه القضية الإسرائيلية الفلسطينية فلن يكون لديهم قدر يذكر من الثقة في شكل الإستراتيجية التي ستتبعها الولايات المتحدة تجاه إيران كذلك".
(المصدر: وكالة "رويترز"، بتصرّف)
