في ظل الاخبار العالمية والعربية وطعم طبخة " صفقة القرن" ومواصفاتها التي ما زالت غامضة لكن لها رائحة المؤامرة، وبين لهاث مباريات المونديال وأقدام اللاعبين والملاعب الخضراء والمدرجات المحشوة باهتمامات ورصد المشجعين والمشجعات والشباك والأهداف ودموع الفرح والحزن، هناك بعض الاخبار الجانبية تتسلل بقسوة وهمجية، ومن شدة الالحاح في الحنجرة تود أن تصرخ حتى يمتلئ العالم بالعدل .
رئيس دولة اسرائيل رئوبين ريفلين والى جانبه وزير الأمن ليبرمان يقدمان الجوائز للذين طوروا أجهزة لمحاربة الانفاق في قطاع غزة، خبر فيه صورة الثلج عندما يندف على رأس الفلسطيني، ولا يستطيع الفلسطيني عمل شيء، سوى مسح وجهه ومؤكدًا أنه قاب قوسين أو أدنى من فتح نوافذ الاستقلال والحرية .
الأنفاق المحفورة في باطن الأرض، هي صورة من صور التحدي للحصار الذي تفرضه القوى الطاغية على الشعوب الضعيفة، وجزء من تاريخ التنفس عند الشعوب المقهورة، فحين يكون الحصار تنتزع الشعوب مسامير الخوف من البوابات المغلقة، ويبدأ التفتيش عن وسائل وأمكنة تصل الى الخارج، لكي تواصل حياتها، بدلًا من البقاء في ضعفها وجوعها وعطشها وحرمانها.
أنفاق قطاع غزة دخلت التاريخ حتى صارت خارطة لعالم المقاومة، ليس فقط المقاومة العسكرية، بل مقاومة البقاء على الحياة رغم جميع الظروف المؤدية الى الموت والهلاك. وإذا كان للحرية ذلك الثمن الباهظ، فإن هذه الانفاق شكلت ثمنًا باهظًا، حيث قُتل العشرات ودفنوا بين أكوام التراب، والكثير منهم ضاعت أسماؤهم في زحمة القتلى، ولم يطلق عليهم شهداء الانفاق أو شهداء التحدي، تحدي التراب والصخور والغبار و رفض سياسة الأقفاص .
ريفلين يوزع الأوسمة والجوائز وليبرمان يشد على أيدي هؤلاء الذين يجدون الحلول للسيطرة على أنفاق غزة، وينفخ صدره غرورًا معتبرًا أن الانفاق قد أصبحت صمتًا لضوضاء المقاومة، ولم تعد تهز شعرة في الجسد الإسرائيلي .
لا أعتبر التاريخ كائنًا فضائيًا أو ينام في السنوات الضوئية، بل التاريخ يعيش بيننا في الذاكرة وفي الكتب وفي الصور وفي الأعمال الفنية، حتى عندما يغمرنا التفاؤل نسرق الصور والأحداث من التاريخ بصورة فسفورية، لنؤكد أننا نمارس الحق والانتصار الذي سيكون إلى جانبنا.
ريفلين ووزير أمنه وغيرهما من فرق وكتائب ومدفعيات العنجهية والغطرسة الاحتلالية لا يعرفون تفسير وقراءة الأنفاق المحفورة في صدور الفلسطينيين. المضحك الى حد البكاء اذا استطاعوا السيطرة على الانفاق الترابية في قطاع غزة وقاموا بالإجهاز عليها وردمها فوق الرؤوس والاجساد، هل يستطيعون السيطرة على الأنفاق المحفورة في الصدور والعقول والاحلام والذكريات والماضي والحاضر، انفاق لها تاريخها الطويل والعريض في القمع والسيطرة وفتح السجون وسلب الأراضي وإقامة المستوطنات والهدم والحواجز واختفاء الحريات.
تطوير الأجهزة لمحاربة الانفاق في قطاع غزة قد يكون جزءًا من المشاريع العسكرية في متاهة الاحتلال والسيطرة، تريد ترسيخ سياسة القوة بالتهام حياة الآخرين، لكن تبقى أنفاق الصدور لا يستطيعون السيطرة عليها، حتى لو طوروا واخترعوا واكتشفوا ووزعوا الجوائز، ينسون أن هناك انفاقا ستبقى داخل موسوعات مقاومة المحتل، أنفاقًا تدعى " الإصرار".
