* من أجل ممارسة الحياة بعشق سابحًا فيها متنعمًا بجمالها *
النظرة الى الحياة يجب ان تكون بالنسبة لكل انسان ليست الغرق في لججها، بل ممارسة الحياة بعشق وعمل ونضال ومحبة سابحا فيها متنعما بجمالها، ولذلك يجب ان ننظر الى مسيرة التقدم في العمر من خلال أسلوب جديد للتفكير في "الطب المحارب للشيخوخة".
لقد تركز اهتمام الهيئات الطبية تقليديًا على معالجة الأمراض المزمنة والحد من مفعول الأمراض المستعصية المرتبطة بالشيخوخة مثل السرطان وأمراض القلب والجلطات.
كانت الفرضية واضحة: بما أن اعتلال القلب والسرطان وحدهما يسببان خمسين في المائة من الوفيَات، فقد يكون بوسع الهيئات الطبية التقليدية أن تُطيل حياة الانسان بنسبة خمسين في المائة اذا تمكنت من تفادي الأمراض الرئيسية القاتلة. لكن الوقائع أثبتت أن ذلك ليس ما يحدث عادة. ومهما تكن هذه الأمراض مدمرة فإن القضاء عليها لن يزيد المعدل الوسطي لعمر الانسان بأكثر من تسع سنوات ونصف السنة، وليس بثلاثين أو أربعين مثلما قد نتوقع.
لماذا؟ لأن عوامل أخرى تحل مكانها.
ولكي تضيف الى حياتك كما معتبرا من السنين – ومن بهجة الحياة وجمالها – الى عمرك، عليك أن تقلل من مخاطر جميع الأمراض الأخرى التي تتهددك.
والسبيل الوحيد الى ذلك هو إبطاء سرعة هرم جسمك على مستوى الخلايا. إن الشفاء من السرطان أو أي مرض آخر لا يقدم بالضرورة أي مساهمة في تغيير طبيعة مسار الشيخوخة أو سرعة هذا المسار.
والسبب في ذلك هو أن الهرم (الشيخوخة) والمرض ليسا الشيء ذاته، بالرغم من تفاعلهما. وكلما تقدم بنا العمر تلفت أجهزتنا البيولوجية تدريجيا. وهذا ما يجعلنا أكثر عرضة للاصابة بالمرض.
وبإبطاء هرم خلايانا واتقاء الأمراض في آن معًا نصبح قادرين على التمتع بحياة أرقى نوعية وأطول بكثير.
إن التقدم في العمر أمر مخيف ومقلق ولا مفر منه. ولذلك عليك أن تبدأ خلال الثلاثينيات والاربعينيات والخمسينيات من عمرك بناء دفاعاتك ضد الهجمات التي قد لا تأتي قبل أن تبلغ الستينات والسبعينات والثمانينات من العمر.
ولحسن الطالع تمكن العلم أخيرا من فهم معظم العمليات البيولوجية المذهلة التي تتحكم في مسار الشيخوخة.
وبتعلمك حقائق عن أمور مثل الحُبيبات الخيطية (mitochondria) والجزئيات البعادية (telomeres) وبرونين السرتوين وأكسيد النتريك والعصب الجوال – وهو ما سنفعله من خلال كتابة هذه المقالات الطبية – ستقدر كيفية تطبيق هذه الاكتشافات الهامة على أسلوب عيشك والسباحة في هذه الحياة متنعما بجمالها وبعشقها.
ومن خلال دراستك وفهمك للعلم المرتبط بجسمك وبعملية الشيخوخة – ستعيش طويلا وبصحة جيدة.
وفي حين تحمل الاكتشافات العلمية الحديثة المفاتيح تظل أنت وحدك القادر على فتح الباب والتمتع بعمر مديد وبصحة جيدة.
لا شك بأن الشيخوخة ذاتها في نهاية المطاف محتمة، لكن سرعة بلوغها ليست كذلك بالتأكيد.
مهم جدا أن تجعل جسمك نابضًا بالحيوية والنشاط والمرونة وذا موارد كثيرة وإرادة رشيدة لهذه الموارد.
ومن خلال المعرفة العلمية والاكتشافات الجديدة وايصال هذه المعلومات الى أوسع فئات المجتمع نطمح الى اعطاء جسم الانسان، المقدرة على التكيف بسرعة مع الأزمات المتغيرة – أي إعاة تجديد نفسه – تجديد جسم الانسان.
ان الشيخوخة في الاساس عملية تفقد خلاياك أثناءها صمودها ومرونتها وتخسر قدرتها على إصلاح الضرر اللاحق بها، ولكن في استطاعتك تقوية هذه المرونة واعطاء جسمك القدرة على الاستمرار سنوات كثيرة من العمر.
الشيخوخة ليست مرتبطة بالعمليات الخَلوية فقط – وهذا هو الأهم – بكيفية استجابتك وتكيفك وتعاطيك مع عوامل الاجهاد التي تؤثر فيك من الخارج، مثل الشمس والارهاق، ونمط الحياة.
لذلك علينا أن ننظر الى الشيخوخة بمعنى أنها في الواقع كناية عن سرعة الهرم، وعلى وجه التحديد كيف تؤدي العوامل الخارجية والداخلية الى زيادة أو ابطاء سرعة هرمك سرعة شيخوختك.
ولذلك بوجود دور لمؤثرات الداخل الى الخارج ومؤثرات الخارج الى الداخل وتأثير لكل منها في الأخرى، تكون مهمتك أن تحاول السيطرة على العاملين معا بحيث تُبطئ المذنب الحقيقي في الشيخوخة: سرعة الهرم.
قد لا يكون للمشكلات الصغيرة تأثير كبير هنا وهناك على الشيخوخة. لكن عندما تكبر هذه المشكلات وتتفاعل مع مشكلات أخرى تكون قد أوجدت شبكة من العوامل المؤذية الى الشيخوخة المبكرة وحتى الموت.
لذلك مهم جدا ان تعمل على تحفيز أنظمة جسمك كي تعمل لصالحك، وكيف تُنشئ مواقع قوة في حياتك. وعليك أن تعرف بأن موعد البدء في احداث هذه التغييرات لا يفوت ابدا وكما لا يكون سابقا لأونه. وما عليك فعله في الأساس هو أن تجد الحلقات الضعيفة في شخصك، أي الأمور التي تجعلك أشد تعرضًا لمفاعيل التقدم في السن، وتُصلحها.
إن هذه الحوافز، وإن تكن قليلة الشأن من الناحية السلوكية أو حتى البيولوجية وتترك أثرا تراكميا قد يكون بالغ الأهمية في ما يتعلق باطالة حياتك وتحسين نوعيتها.
ان الحد من تناول السعرات الحرارية وزيادة قوتك والتمتع بنمط صحي للنوم ثلاثة أدوية من أفضل ما توفره الطبيعة من علاجات ضد الشيخوخة. طبعا هذه بالاضافة الى خطوات أخرى سنوصي بها خلال هذه المقالات، ومهما يكن نوع الحياة التي عشتها حتى الآن، فإن من الممكن عكس مسيرة الشيخوخة واذا مارست عادة جيدة لمدة ثلاث سنوات يكون أثرها على جسمك وكأنك مارستها طوال عمرك.
ان التقدم في العمر أمر حتمي، لكن سرعة الهرم ليست كذلك.
ولذلك على كل انسان الحرص على ان يتمتع بنوعية حياة راقية الى أن يحين وقت رحيلك عن هذه الدنيا. وعندما تكون في الثمانينيات من العمر تريد أن تشعر وكأنك في الثلاثينيات، والتمتع بكل لحظة من العمر وتمديد الفترة المتاحة للحياة سابحا فيها متنعما بجمالها. وأن تشعر بزخم الحياة وهانئا فيها.
لا شك بأن لكل فرد منا بصمة جينية فريدة من نوعها فقد يصعب اكتشاف الامراض وعلاجها لكن مع بدء تمكن الطب من ادراك الوسائل التي تتيح لنا وللطب الحديث ان تتحكم بجيناتنا بصورة مذهلة لذلك علينا اتخاذ السبل التي نستطيع من خلالها جعل جناتنا تعمل لصالحنا وليس ضدنا.
مثلا السير لمدة عشر دقائق فقط يفعل جينة تُبطئ سرعة النمو السرطاني. وعنصر الرسفراترول الموجود في عصير العنب الأسود يفعل جينة تُبطئ أو توقف عملية التهابية خطرة تحدث داخل جسمك.
من الواضح أن الدماغ هو أكثر الأجهزة تعقيدا في جسمك. ولو كان الدماغ أبسط مما هو حقا لما تمتعنا بالذكاء الكافي لفهمه.
من واجب الأطباء إبلاغ وشرح الأمور بكل صراحة لأن الناس يتأذون عندما لا نقول لهم الحقيقة.
لقد أظهرت الأبحاث بأن نسبة المصابين بمرض ألزهايمر تزداد في السنوات الأخيرة وإننا جميعا سنتأثر بطريقة أو أخرى بمشكلات خطيرة في الذاكرة من شأنها أن تغير حياتنا.
ولكن في نفس الوقت علينا أن نعلم بأن اعتلالات الذاكرة ليست عصية على السيطرة كما تبدو، والطريقة الصحيحة لمجابهة مشكلات دماغك المحتملة هي استخدام دماغك لفهمها.
الماهية الحقيقية للذاكرة من حيث الاساس هي عملية استيعاب المعلومات وتخزينها ثم التمكن في وقت لاحق من تذكرها عند الحاجة إليها سواء لحل مسائل معقدة أو سرد فصص، أو تذكر أحداث وأرقام وتفاصيل أخرى من الحياة.
يبدأ التعلم عبر خطوط الطاقة الموجودة داخل دماغك، أي الخلايا العصبية التي تتبادل اطلاق الرسائل في ما بينها. وتحد الموصلات الموجودة بين الخلايا العصبية والمعروفة باسم المشابك (synapses) مقدرتك على التعامل مع المعلومات واستيعابها.
أما مقدرة خلايا الدماغ على التخاطب في ما بينها فإنها تقوى أو تضعف فيما نستعملها. فكلما أكثرت من استخدام هذه المشابك ازدادت قوة وتوالدا. واذا كان أمر ما مثيرا لاهتمامك فانك تتعلمه بسرعة أكبر وتُدرب تلك المشابك على إقامة اتصالات قوية.
تنشأ المشكلات عندما تكون المشابك هاجعة، غير مستعملة، فكلما قل استخدامك لخطوط اتصال معينة ازدادت احتمالات اصابتها بالعطب (مثل فقدان الطلاقة في لغة أجنبية إذا لم تستعملها لفترة طويلة).
فنحن نتعلم باضعاف المشابك قليلة الاستعمال واصلاح وتقوية المشابك التي نستخدمها عادة.
إن ابقاء ذاكرتك تعمل بأقصى قوتها يقتضي أن تركز على ثلاثة جوانب من كيانك البيولوجي: الدماغ يحتوي مائة بليون خلية عصبية. وأن كل خلية تتلقى مائة رسالة في الثانية.
إن قرن أمون الذي يشبه حصان بحر صغيرا والمتواري عميقا داخل الدماغ هو المحرك الرئيسي للذاكرة (في الدماغ منطقتان أخريان معنيتان بالذاكرة هما القشرة الأمامجبهية التي تسيطر على الوظيفة التنفيذية لدماغك، والمخيخ الذي يتحكم بالتوازن).
ويتولى قرن أمون تحليل المعلومات وتصنيفها قبل تخزينها وهو يعمل على أحسن وجه عندما تكون مهتما عاطفيا بالموضوع أو متنبها في أثناء التعلم.
وهذا من الأسباب التي تفسر لماذا يمكن للقهوة أن تساعد الذاكرة، إذ يبدو أنها ترفع درجة تنبهك عندما تتعلم شيئا ما للمرة الأولى فتزداد احتمالات نجاحك في تخزين هذه المعلومة في "بنك" ذاكرتك طويلة الأمد.
لكن فيما يتعلق بموضوع الشيخوخة يتركز جُل اهتمامنا على ما يحدث لخطوط الطاقة داخل دماغك، اذا شغل قرن أمون في دماغك (أو اجلب كوبا من القهوة) وتذكر ما يلي: إن في دماغك بروتينات البيتا نشويات مثلا وهي مسؤولة عن تعطيل خطوط الطاقة لديك، وهي على الأرجح السبب في الاصابة بمرض الزهايمر.
يؤثر الضرر الرئيسي لمرض الزهايمر في خطوط قرن أمون لاستلام الطاقة وارسالها. فتبدأ الذاكرة في الأفول (المؤشر الفيزيولوجي الآخر الى مرض الزهايمر هو تراكم ما يسمى بالخيوط الليفية العصبية، وهي أنسجة ملتفة غير قابلة للذوبان تتجمع داخل الخلايا العصبية فتصبح كأسلاك الكهرباء المتشابكة التي ترسل الطاقة الى المكان الخطأ. وتؤثر هذه الخيوط في الذكاء.
تتحكم الجينات عامة بكمية المواد البيتا نشوية الموجودة لديك. لكن جيناتك لا تمتلك سيطرة كاملة عليك ففي وسعك أن تغير كمية الركام المتكدس بثقله على خطوط الطاقة في جسمك بتغيير التعبير الصادر عن إحدى جيناتك ألا وهي جينة أبو E (apo-e) على وجه الدقة.
يعمل بروتين أبو E فيزيل المواد البيتا نشوية بحيث تتمكن موصلات الخلايا العصبية (المشابك) من الاستمرار في اداء وظيفتها. فلا يفقد الانسان قدرته على تذكر الأرقام مثلا أو احداث الماضي.
وكلما أنتجنا مشابك جديدة لمساعدة دماغنا على تحسين نفسه بقيت مخلفات من هذه المادة البيتا نشوية فيتولى أبو E ازالة مشوِّشات صفاء الاتصالات.
لكن هناك مجموعة أخرى في النقابة ذاتها اسمها فريق أبو E 4 تخرب جهود اعادة الطاقة ولا تتوانى حتى عن وضع مزيد من العوائق مع الخطوط العصبية.
وتظهر الأبحاث ان هناك علاقة بين ارتفاع مستوى بروتين E-4 وزيادة احتمال الاصابة بداء الزهايمر وهناك لحسن الحظ أمر تستطيع القيام بها لتخفيض نشاط جينة E-4 والسماح لبقية أفراد فريق أبو E بتنظيف خطوط الطاقة لديك. ويبدو أن تناول الكركم الذي يكثر استعماله في الأطباق الهندية يحد من عمل جينة E-4 (تجدر الاشارة الى ان معدل الاصابة بمرض الزهايمر منخفض نسبيا في الهند. وتعطي التمارين الرياضية مفعولا مشابها للكركم.
(يتبع)
