في المسألة السورية

single

النضال السلمي هو الدرب

  • هنالك الكثير من الجهات التي تحاول الاستفادة من الوضع في سوريا ابتداء من الحركات الأصولية وأنظمة عربية وأمريكيا وإسرائيل والغرب. ومن الطبيعي أن تكون هنالك أسلحة قد وصلت من أطراف متناقضة، فالوضع الآن هو تربة خصبة لتدخلات أجنبية، لها مصالحها الضيقة ولا يهمها مصلحة الشعب السوري. لكن الأمر الأساسي هو أن طابع الثورة هو جماهيري سلمي.

1- كان الشعب الفلسطيني، وما زال، مركز تضامن العالم الديمقراطي. كانت الشعوب العربية، لا حكامها، تهب لنصرة فلسطين في مواجهة المجازر في غزة وجنين ونابلس وطول كرم والخليل والقدس وغيرها. وهذا الشعب الفلسطيني الذي هو ابن التضامن العالمي لا يمكنه السكوت عن القمع والقتل في سوريا، بحجة أن القاتل وطني معادي للإمبريالية، حسب ادعائه طبعًا. مسكين من يُذبح بسكين "ثوري"، فلا أحد يحزن عليه، أو حتى "يعبّره"، بل يُتَّهم بأنه عميل أجنبي. في هذا العصر المقلوب إذا كنتَ ضحيةً فمن المفضل أن تكون ضحية للعدوانية الإسرائيلية أو الأمريكية. لا تكن ضحية "للوطنيين"، فـهؤلاء ذنبهم مغفور.
2- يقول لي صديق، نريد أن نعرف الحقيقة. حسنًا هيا بنا: 1) وكأنه جديد على نظام البعث تسوية مباني المدن وناسها بالأرض؛ من حصار وقصف تل الزعتر الفلسطيني، عام 76، وحتى تسوية أحياء كاملة في حماة بالأرض، عام 82، حيث قُتل ما بين 10-30 ألف مواطن سوري. اسألوا المساجين السياسيين السوريين عن المجازر التي تتم في حمى النظام حتى داخل السجون. 2) إذا كان ما يجري من اختراعات الامبرياليين، فلماذا لا يًسمح لوسائل الإعلام العربية والعالمية بتغطية الأحداث. لماذا يحتكر تلفزيون النظام تغطية الأحداث، ليشرح لنا أن القتيل هو القاتل وأن القاتل هو القتيل.      
3- يتحدثون عن معارضة مسلحة. أولاً، الانتفاضة بدأت بالاحتجاج الشعبي على اعتقال أطفال من درعا كان "خطأهم" أنهم كتبوا، وبهدي مظاهرات الربيع العربي، شعارات تنادي بتغيير النظام، والطبشورة المدرسية كانت سلاحهم. وقبل أن تطلق المعارضة طلقة واحدة كانت أرقام القتلى، قد وصلت المئات. "الاقتراح" الوحيد الذي قدمه النظام للحوار مع المعارضة كان الرصاص والقناصة والدبابات. والشيء بالشيء يذكر ففي الانتفاضة الثانية شهدنا مثل هذا الوضع، حيث قتل الجيش الإسرائيلي، في الأشهر الأولى للانتفاضة، مئات الفلسطينيين العزل، قبل أن تتم عملية تفجير واحدة.
4- ما جرى في تونس ومصر، أن الجيش رفض البطش بالشعب. في تونس قالوا لزين العابدين: لا تعتمد علينا في قمع الجماهير. في مصر رابط الجيش بجانب الجماهير. أما في سوريا، فقيادة الجيش يتم "تنقيتها على الطبلية"، من أعوان الرئيس ومن أقربائه ومن المستفيدين، ونفسية قيادة الجيش مبنية على أساس قمع كل تمرد بكل قوة لأن الجرائم التي ارتكبها النظام لا تتيح التعايش بين الشعب الثائر وهذه القيادة.
5- الجديد في المواجهة الحالية هو رفض أوساط واسعة من بين الجنود والضباط الانصياع لأوامر القتل التي يوجهها لهم قادتهم، وبالتالي يتمردون. كل أمر غير أخلاقي يجب رفضه، ويجب تحية عشرات آلاف الجنود السوريين، الذين يخرجون عن طاعة قياداتهم المجرمة، وينضمون لشعبهم. هؤلاء ليسوا عملاء لأحد، إنهم أبناء مخلصون لشعبهم ولضمائرهم.
6- بالطبع هنالك الكثير من الجهات التي تحاول الاستفادة من الوضع في سوريا ابتداء من الحركات الأصولية وأنظمة عربية وأمريكيا وإسرائيل والغرب. ومن الطبيعي أن تكون هنالك أسلحة قد وصلت من أطراف متناقضة، فالوضع الآن هو تربة خصبة لتدخلات أجنبية، لها مصالحها الضيقة ولا يهمها مصلحة الشعب السوري. وهنالك في هذا الخضم مظاهر لا تفيد الانتفاضة، ويستغلها النظام. ونحن أدرى بألاعيب النظام في تشويه الواقع. فلدينا مثلاً يقوم الإعلام الإسرائيلي "الديمقراطي" بالتغطية على جرائم أكتوبر 2000، بإظهار صورة شاب ملثم وهو يحمل مقلاع وكأن هذا الحجر يهدد وجود "دولة اليهود".
7- الأمر الأساسي هو أن طابع الثورة هو جماهيري سلمي. مئات الآلاف ينزلون للشوارع، كل يوم وكل ليلة، يواجهون القتل بالجملة، وهذه الظاهرة هي فريدة في التاريخ، وهي تستدعي توجيه تحية إكبار. إنهم يريدون الحرية والكرامة والعيش بدون خوف.
8- يقولون لنا ماذا ستفرز الثورة؟ بالطبع أريد أن يصل سدة الحكم في سوريا، قوى ملتزمة وطنيًا ومعادية للمصالح الاستعمارية، وملتزمة بحقوق الإنسان والديمقراطية ووحدة الشعب السوري. ولكن المثل يقول حتى للجنة لا يمكن إدخال الناس مكبّلين بالسلاسل. في مصر فاز الإخوان والسلفيون، ولم تهبّط الدنيا، والصراع الآن بين أنصار التقدم والاشتراكية والديمقراطية وبين أعداء هذه القيم. وحتى هذه الحركات المتشددة، تدرك أنها وصلت السلطة بفضل أجواء هذه القيم. إن القرار بحسم الصراع بالقمع، كما كان أيام زين العابدين ومبارك، أتى بمفعول عكسي، شهدناه في الانتخابات. ونظام البعث السوري هو الهدية الأفضل للحركات الأصولية. لا قيادة البعث ولا أكبر مفكر في العالم يقرر لشعب ما هو الأفضل له. والمعركة سجال وستستمر. لا أعرف إذا كان الأخوان سينجحون في سوريا، في الانتخابات، ولكن حتى لو نجحوا، فعليهم التزام القيم الديمقراطية والشارع هو الحكم.
9- نظام حافظ الأسد بدأ وطنيًا، معاديًا للاستعمار. المشكلة في هذا النظام، انه مع مرور الوقت، وبسبب بنيته الدكتاتورية، استقطب في صفوفه ومؤسساته انتهازيين جشعين، عملوا على تقاسم خيرات سوريا. كل شخص منهم أقام له جهازا من "الشبيحة"، أصبح أقوى من الجيش وحتى فوق الجيش. في حينه شكلت القوات التي كانت تحت إمرة رفعت الأسد، شقيق حافظ الأسد، تهديدًا على حافظ الأسد نفسه، ومن المفيد قراءة البيوغرافيا التي كتبها صديق حافظ الأسد نفسه، باتريك سيل، وكيف كانت دمشق على شفا معركة رهيبة بن قوات حافظ وقوات رفعت، إلى أن حُسمت المعركة في جلسة عائلية بحضور ناعسة الأسد، والدتهما، بالضبط كما هو الأمر في عائلات المافيا العريقة. وما نشهده اليوم من أعمال إجرامية ضد المواطنين هو بالأساس من قبل وحدات شبيحة فاشية، تم تثقيفهم على العنف والقسوة والاستهتار بحياة البشر..     
10- يقولون أنه نظام وطني. 1) النظام الوطني يجب أن يكون أولاً وطنيًا تجاه شعبه. المواطن السوري يخاف أن يبدي رأيه، حتى أمام أطفاله لئلا يبوح الطفل بما قاله والده، فتنزل اللعنة على الطفل والوالد وربما العائلة بأسرها. 2) هذا النظام، ولننسَ تاريخ حافظ في التعامل مع القيادة الفلسطينية، وحتى وقت قريب كان رأس الحربة ضد الوحدة الفلسطينية. وإن أحد ما نشهده اليوم من تطور في مسار المصالحة الفلسطينية، هو خروج حماس من سيطرة النظام السوري، الذي ذلل المصلحة الوطنية الفلسطينية لمصالحة الداخلية والخارجية. كل أعداء عرفات والمنظمة، وجدوا دعمًا من النظام السوري وكانت دمشق مقرًا لهم. 3) ماذا تريد إسرائيل وأمريكا أفضل من هذا لنظام. أربعون عامًا لم يحرك الأسد ساكنًا لتحرير الجولان، لا عسكريًا ولا شعبيًا. مع هكذا أعداء فإسرائيل ليست بحاجة لأصدقاء.
11- بالذات نحن الجماهير العربية في إسرائيل، حيث ندعو العالم للتضامن معنا في مواجهة التمييز والعنصرية والاقتلاع، مطالبون أن نكون في مقدمة المنددين بهذه الجرائم، وخاصة أن منفذيها يحاولون دمغها بختم وطني. هذا الأمر مطلوب أيضًا من أجل مصداقيتنا، فلا يمكن أن تجزيء الظلم ولا تجزيء النضال ضده. وأكثر من هذا: من أجل أن نتعرف على وجهنا الجميل المناضل، عندما ننظر إلى المرآة.

قد يهمّكم أيضا..
featured

يترتّب على القصيدة أحيانًا أن تُهمل فوضى الصباح وأن تتجنب صدام الظلام

featured

معا نحن قادرون على صد الفاشية

featured

رجال ونساء من فلسطين: صبا الفاهوم

featured

النظام يتنازل عن أرض مصرية!

featured

القطران السوري واللبناني شقيقان متجاوران ويجمعهما الرابطة القومية والمصير المشترك

featured

خيوط استهداف سوريا من الخليج الى ما خلف المحيط (2-2)

featured

يوم الأرض، خلاصة كفاحنا